1
وجدتُ المفتاحَ في ظرفٍ على الرفّ الثاني من خزانتها، خلف علب ألوانها المائية. ظرفٌ أبيض صغير، لا يحمل سوى اسمي بخطّها: مشعل. نقطة. لا شيء آخر.
كان الدُّرج مقفلًا منذ سنين. كنتُ أعرف أنه مقفل ولم أسأل. لها أشياؤها، ولي أشيائي، وهكذا عشنا ثلاثين سنة محترمَيْن لا نفتح ما لا يُفتح.
حين أدرتُ المفتاح، سمعتُ صرير الخشب، ثمّ رائحة الورق القديم والحبر تنفّست من الدُّرج كأنّها كانت تنتظر.
لفائف ورق. أكثر مما توقّعت. بعضها مطوي طيّات حادّة دقيقة، وبعضها ملفوف بخيط كتّان، وبعضها مفرود كأنّها وُضعت آخر مرة على عجل. قدّرتُها خمسين ورقة أو ستين.
أوراقٌ مختلفة: بعضها ورقٌ سميك للرسم، وبعضها أوراق مكتب عادية بيضاء، واحدة أو اثنتان من ظهر فاتورة. الحبر متنوّع: أسود، ورمادي، وأحمر باهت، وأخضر زيتوني. في زاوية إحدى الأوراق قطرة حبر جافّة، كأنّها سقطت سهوًا ولم تُمسح.
أخرجتُها كلها إلى المكتب. رتّبتُها بحسب سماكة الورق. هذا ما أعرف فعله.
حين يموت أحدهم، فإنّ أول ما يُترك لك هو أوراقه، وأنا رجلٌ أعرف ماذا يفعل بالأوراق.
لم أفتح واحدة. لا يومها. جلستُ أمامها كأنّها أرشيفٌ جاءني من مكتبة بعيدة، ويحتاج أن أكتب فهرسه قبل أن أقرأه.
صنعتُ قائمةً بأحجام الأوراق. شددتُ الخيوط التي كانت تلفّ اللفائف، وأعدتُ لفّها بترتيبٍ أجمل. هذا ما أعرف فعله.
حين أطفأتُ الضوء، كانت اللفائف مصطفّة في الدُّرج كجنودٍ نظيفين. أغلقتُ الدُّرج ولم أقفله.
2
فتحتُ أوّل خريطة في الصباح، بعد القهوة. فردتُها على المكتب وثبّتّها بمسنديْن من الرخام. كانت خريطةً لصالتنا.
عرفتُها من الزاوية التي وضعَتْ فيها الأريكة. عرفتُ الكرسيّ الذي أجلس فيه حين أقرأ. عرفتُ النافذة. عرفتُ الباب إلى الممرّ. لكنّ المقاييس كانت خطأ.
المسافة من كرسيّي إلى الأريكة حيث كانت تجلس، مكتوبة على الخريطة بخطّ صغير دقيق: «أربعون مترًا». المسافة بين النافذة وكرسيّها: «ستة أمتارٍ وسبع سنوات». تحت الأريكة سهمٌ يشير إلى هامش الورقة، حيث كتبتْ: «هنا كنتُ أعدّ حتى مئة قبل أن أتكلّم، ثمّ أعود لأعدّ مرّة ثانية.»
ضحكتُ. ضحكةٌ قصيرة انتهت في حلقي. قلتُ لنفسي: فكرةٌ فنيّة.
كانت هند تصنع هذه الأشياء دومًا. أطروحاتٌ صغيرة عن المسافة، عن الجسد، عن الوقت.
فتحتُ الخريطة الثانية لأُثبت لنفسي أنّها سلسلةٌ واحدة، مشروعٌ يخصّ معرضًا لم تُنهه. الخريطة الثانية كانت لغرفة النوم. فيها تاريخ: الخميس، السابع من شوّال، الساعة الحادية عشرة وتسع وعشرون دقيقة ليلًا.
تذكّرتُ هذه الليلة. كانت ليلةً عادية. نمتُ مبكّرًا لأنّ عندي محاضرةً في الصباح.
على الخريطة سهمٌ من وسادتها إلى وسادتي، مكتوبٌ عليه: «المسافة القصوى هي ذراعٌ واحدة لم تمتدّ.»
أغلقتُ الخريطة. فتحتُ ثالثة. ثمّ رابعة. ثمّ توقّفتُ عن العدّ.
كلّها غرفٌ من بيتنا، أو مقاهٍ رحنا إليها، أو طرقاتٌ مشينا فيها. كلّها بمقاييس لا تخصّ الأمتار. في كلّها أنا واحدٌ من معالمها: كرسيّ، أو ظهر، أو صوتٌ من الغرفة المجاورة.
رفعتُ رأسي إلى الساعة. كانت الساعة الثالثة والربع بعد الظهر. لم أكن قد أكلت. كنتُ أنظر إلى مكتبي الذي أعرفه منذ عشرين سنة، وأشعر أنّ الغرفة صارت أوسع قليلًا، وأنّ جسدي أصغر بقدر ما اتّسعت.
3
إحدى الخرائط كانت لمقهى «الفيحاء» في شارع العروبة. ذهبنا إلى هذا المقهى أوّل مرّة في عيد ميلادها السادس والأربعين. اخترتُه لأنّها كانت قد ذكرَته مرّة.
جلسنا في طاولةٍ عند الزاوية، الطاولة نفسها التي رسمَتْها. أعطيتُها كتابًا ذلك المساء، ترجمةً جديدة لقصائد أخماتوفا. ابتسمتْ. شربنا قهوتين. عدنا إلى البيت.
كنتُ أحتفظ بهذه الأمسية في رأسي كواحدةٍ من أطيب أمسياتنا. لا تفصيل. مجرد جوّ ودّيّ، مستقرّ. هذا النوع من الذكريات الذي تستند إليه حين يسألك أحدٌ: هل كنتما سعيدين؟
ذهبتُ إلى المقهى. كنتُ قد أخذتُ الخريطة معي مطويّةً في جيبي. دخلتُ. كانت الطاولة فارغة. كأنّها انتظرتني.
جلستُ في مقعدي. المقعد المقابل فارغ. طلبتُ قهوة.
على الخريطة، كانت هند قد رسمتْ خطًّا قطريًّا من مقعدي إلى مقعدها. كتبتْ على الخطّ: «مسافة اللا-حوار.» تحت مقعدها قائمةٌ قصيرة:
— ما أردتُ قولَه: أنّي تلقّيتُ نتائج التحاليل.
— ما قلتُه: شكرًا على الكتاب.
— ما سمعتُه منه: حديثٌ عن المقريزي.
لم أتذكّر أنّها كانت في تلك الأمسية قد تلقّت نتائج تحاليل. لم أتذكّر أنّها قالت لي شيئًا عن الطبيب.
في رأسي، جاءت نتائج التحاليل الأولى بعد ذلك بأشهر. حاولتُ أن أستعيد. بدأتُ أعدّ التواريخ. التحاليل الأولى كانت في رمضان، وعيد ميلادها السادس والأربعون كان قبل رمضان بأسبوعين.
بقيتُ جالسًا في المقهى لساعةٍ وأنا أحاول أن أتذكّر ماذا قالت هي في تلك الأمسية. أيّ جملة. أيّ كلمة خارج الشكر على الكتاب. لم أستطع أن أستحضر جملةً واحدة.
أستطيع أن أستحضر كلّ ما قلتُه أنا: تحدّثتُ عن ترجمة أخماتوفا. تحدّثتُ عن زميلٍ سيتقاعد. تحدّثتُ عن الطقس وأنّه صار أبرد من العام الماضي في الوقت نفسه من السنة.
خرجتُ من المقهى ويداي ترتجفان قليلًا. لم يكن الطقس باردًا.
4
اتّصلتُ بنوف. نوف تعمل في الخزف، وكانت أقربَ صديقات هند. لم تكن قريبةً منّي. علاقتنا أنا وهي كانت علاقةَ مَن يتشاركان حبَّ امرأةٍ واحدة من جهتين مختلفتين، ويعرفان ذلك، ويتحاشيان الحديث فيه.
قلتُ لها إنّ عندي شيئًا أريد أن أريها إيّاه. لم تسأل عمّا هو. قالت: تعال المحترَف.
محترَف نوف في حيّ منفوحة. غرفةٌ واسعة ذات سقفٍ عالٍ، رائحةُ طينٍ وترابٍ وماء. كانت ترتدي مِئزرًا مبقّعًا. أشارت إلى كرسيّ خشبيّ، وغسلتْ يديها، وجلستْ مقابلي.
أخرجتُ ثلاث خرائط. واحدةً للصالة، واحدةً لغرفة النوم، وواحدةً للمقهى. نظرتْ. أخذتْ وقتها. لم تلمسها. نظرتْ طويلًا ثمّ قالت:
— هذه هي.
— أيّ هي؟
— الخرائط.
— كنتِ تعرفين؟
— كنتُ أعرف أنّها ترسم.
— هل كانت تريدني أن أجدها؟
صمتَتْ. ثمّ قالت:
— لا أعرف.
— نوف، أرجوكِ.
— ماذا تطلب منّي يا مشعل؟
طلبتُ منها أن تشرح لي. أن تقول ماذا كانت هند تقصد. كيف كانت تشعر. ماذا تقول هذه الخطوط.
سألتُها: هل كانت تكرهني؟ هل كانت تفكّر في الرحيل؟ هل تحدّثتْ معكِ في أمورٍ لم تتحدّث فيها معي؟ ألستِ صديقتها الأقرب؟
أصغَتْ حتّى نهايتي. ثمّ قالت بهدوءٍ لا يُحتمل:
— لستُ هنا لأترجم لك امرأةً عشتَ معها ثلاثين سنة.
فتحتُ فمي.
— مشعل، أنت تطلب منّي أن أقوم بعملٍ كان عملك حين كانت حيّة. لن أفعله. لا لأنّي قاسية. لأنّ هذا لن ينفعك.
نظرتْ إلى الخرائط الثلاث.
— اذهب إلى الأماكن.
— ذهبتُ إلى المقهى.
— اذهب إلى كلّها.
طويتُ الخرائط وخرجت.
في السيّارة جلستُ مدّةً قبل أن أشغّل المحرّك. كنتُ غاضبًا.
قلتُ لنفسي: إنّها تتعالى. إنّها تحتفظ لنفسها بما تعرف. إنّها ترى فيّ ما لا أستحقّ.
لكنّ تلك الأفكار لم تثبُت. تساقطت واحدةً بعد أخرى كما يتساقط طلاءٌ قديم عن حائط حين تحكّه.
5
في الليلة التي تلتْ، لم أنَم. فتحتُ الدُّرج مرّةً أخرى. استخرجتُ ما بقي.
كان هناك ملفٌّ رقيق في قاع الدُّرج، مربوطٌ بخيطٍ واحد. فتحتُه.
كانت الأوراق فيه أصغر من البقيّة، وكان كلّ ورقةٍ موسومةً في أعلاها بعبارةٍ واحدة: «يومٌ عاديّ.» يليها رقم. «يومٌ عاديّ رقم 1»، «يومٌ عاديّ رقم 2»، حتّى «يومٌ عاديّ رقم 113». مئةٌ وثلاث عشرة ورقة.
أخذتُ واحدةً عشوائيًّا. كانت تحمل الرقم 47. لم يكن يومًا أعرفه. ثلاثاءٌ في ربيعٍ ما. لا حدث. لا عيد ميلاد. لا شجار.
الورقة مقسّمةٌ إلى شبكة ساعات. في كلّ خانةٍ حركة:
— 6:40 صباحًا: صوت إبريق القهوة في المطبخ.
— 6:55: تمرّ ورائي، لا تلمسني.
— 7:10: تسألني عن خططنا نهاية الأسبوع.
— 7:11: تأتيني الإجابة من وراء الجريدة.
— 7:12: أعيد السؤال.
— 7:13: أتلقّى الإجابة من وراء الجريدة.
— 8:00: يخرج.
— 12:30: أسقي النباتات.
— 5:40 مساءً: يعود.
— 6:20: نأكل.
— 6:45: يعود إلى مكتبه.
— 9:00: أدقّ باب مكتبه بإصبعٍ واحد.
— 9:01: يقول «تفضّلي».
— 9:02: أقول «لا شيء».
تحت الشبكة، بخطٍّ أصغر: «هذا يومٌ أنا جائعةٌ فيه. هذا يومٌ لا يراه. هذا يومٌ حين سيُسأل عنه، سيقول إنّنا كنّا سعيدين.»
قرأتُ الورقة مرّتين. ثلاثًا. رفعتُ رأسي. كانت الساعة الرابعة صباحًا. نظرتُ إلى يديّ كأنّهما ليستا لي.
أخذتُ ورقةً أخرى. رقم 72. كان يومًا مماثلًا. ثالثةً: الرقم 103. الشبكة ذاتها تقريبًا. حركاتٌ دقيقة، صمتٌ دقيق، دقّة إصبعٍ على باب، جوابٌ يأتي من وراء شيء.
أنا كنتُ أسمّي هذه الأيام «الراحة». كنتُ إذا سُئلت عن حياتنا قلتُ إنّنا نعرف بعضنا جيدًا، لا نحتاج كثيرًا من الكلام. كنتُ أعتبر الصمت المريح بيننا شهادةً على النضج. شهادةً على الوصول.
على هذه الأوراق كلّها، كانت هند تسمّي الشيء نفسه «الجوع». لا غضبَ في خطّها. لا مَكرَ. الخطّ دقيق، منضبط، كأنّها تدوّن بحثًا علميًّا.
دوّنتْ جوعها أربع سنواتٍ ونصفًا، وضعَته في دُرج، وأعطتني المفتاح بعد موتها.
وضعتُ الورقة. نظرتُ إلى يديّ مرّةً أخرى. لا شيء ينبغي أن يُقال عن اليدين. لا أعرف كم بقيتُ جالسًا.
6
في القاع أيضًا، تحت ملفّ «الأيام العادية»، كانت هناك حزمةٌ أخيرة. لا خيط يربطها. أوراقٌ متفرّقة.
لم تكن هذه الخرائط تحمل أسماءَ أماكن. لا إحداثيّات. لا عناوين.
خطوطٌ تدور على نفسها. دوائر متداخلة لا تنغلق. سهامٌ تشير إلى سهامٍ أخرى تشير إلى فراغ. في بعضها نقطةٌ واحدة في الوسط ولا شيء حولها. في بعضها تشابكٌ كثيف كأنّها شبكةٌ ضاعت فيها العقدة. ورقةٌ واحدة ليس عليها إلّا خطٌّ أفقيٌّ واحد يقطعها من يسارٍ إلى يمين.
ظننتُ في البداية أنّها مسوّدات. أنّها خرائط لم تُنهَ.
قلبتُ الأوراق أبحث عن تاريخ. التواريخ كانت متأخّرة. آخر سنة ونصف قبل رحيلها. كانت قد رُسمت في أواخر مرضها. وكانت، أعرفُ الآن، النسخَ النهائيّة. لا شيء بعدها.
جلستُ أحاول أن أفكّ خطًّا منها. ثمّ توقّفتُ.
فهمتُ أنّها لم تعد تحاول أن تُرسل شيئًا. أنّها كانت قد توقّفت عن مخاطبتي. كانت ترسم لنفسها، أو لا أحد. كانت قد انتهت من محاولة بناء الجسر. الجسر لم يكن ممكنًا، والأوراق الأخيرة هي الاعتراف بهذا.
في أسفل إحدى الأوراق، بخطٍّ صغير: «لستَ الجمهور.»
7
في قاع الحزمة الأخيرة، بين الأوراق التائهة، كانت ورقةٌ مختلفة. أكبر من البقيّة. أسمك. ورقٌ قديم، مصفرٌّ قليلًا، كأنّها احتفظتْ به من سنوات.
عليه خريطةٌ واحدة. إحداثيّات. العنوان حقيقيّ. بحثتُ عنه.
كانت قطعةَ أرضٍ فضاء في أطراف الرياض، جنوبَ الطريق الدائريّ، لا بناءَ عليها، لا شيء. لم نكن قد ذهبنا إلى هناك.
في اليوم الثاني ركبتُ السيّارة. سقتُها ساعةً ونصفًا.
الأرض مسنّنة، عليها بقايا سورٍ منخفض، وأعشابٌ جافّة، وقليلٌ من الرمل الذي جاءت به الريح. كان الوقت قبل المغرب. الضوء يميل إلى البرتقاليّ المطفأ.
وقفتُ. أخرجتُ الخريطة. فتحتُها في الريح. كانت الإحداثيّات تشير إلى نقطةٍ دقيقة وسط الأرض. مشيتُ إليها.
لم يكن هناك شيء. حجر، رمل، بضعة أعواد يابسة.
انحنيتُ. حفرتُ بإصبعي قليلًا. لا شيء.
وقفتُ. قلبتُ الخريطة. ظهرها فارغ. أعدتُ النظر إلى الوجه. الخطوط نظيفة، الإحداثيّات واضحة. لا رسالة تحت الرسم. لا ملاحظة على الهامش. خريطةٌ لمكانٍ فارغ.
نظرتُ إلى الأرض. ثمّ إلى الخريطة. ثمّ إلى يدي التي تحمل الخريطة. ثلاثة أشياء لا يربط بينها شيء.
كنتُ أظنّ طوال حياتي أنّ بين الورقة والأرض علاقة، وأنّ المؤرّخ الجيّد هو مَن يعرف كيف يتتبّعها.
وقفتُ الآن على أرضٍ لا تخصّ أحدًا، أحمل ورقةً لم تقصد أحدًا، وبدأتُ أفهم أنّ هند في أوراقها الأخيرة لم تكن تكتب لي. كانت تكتب عن رجلٍ يقف على أرضٍ فارغة يحمل ورقة. عنّي في هذه اللحظة.
لم أبكِ. الرمل تحت قدميّ صار باردًا. الورقة في يدي صارت باردة. الضوء تحوّل من البرتقاليّ إلى رماديّ، ثمّ غاب.
بقيتُ واقفًا حتّى جاء الظلام بكامله. لم أستطع أن أتحرّك. لم يكن هناك ما أتحرّك إليه.
الأرض لا تنتهي إلى شيء، والخريطة لا تنتهي إلى شيء، وأنا بينهما رجلٌ لم يعرف زوجته، لا الآن ولا حين كانت ترسم، ولا حين كانت تعدّ إلى مئة ثمّ تعود لتعدّ مرّة ثانية.
حين التفتُّ إلى السيّارة، كانت هناك نجمةٌ واحدة. طويتُ الخريطة. وضعتُها في جيبي. ركبتُ. عدتُ.
8
في البيت، صعدتُ إلى المكتب. أخرجتُ كلّ الخرائط من الدُّرج. وضعتُها على المكتب كلّها. كومةً كبيرة.
كان أمامي خياران واضحان.
الأوّل: أن أفهرسها. أن أكتب لها فهرسًا بالمواضيع والتواريخ، وأرتّبها في علبِ حفظٍ بخاصّيّاتٍ أعرفها، وأضعها على رفّ. هذا ما كنتُ سأفعله. هذا ما تعلّمتُه. هذا ما أجيد.
الثاني: أن أحرقها. أن أُشعل نارًا في الحوش وأتخلّى عن الشهادة.
لم أفعل أيًّا منهما.
جمعتُ الأوراق. وضعتُها في الدُّرج كما كانت، دون ترتيب، دون خيط كتّان. دفعتُ الدُّرج قليلًا ولم أغلقه. بقي مفتوحًا على مسافة ثلاثة أصابع.
جلستُ على كرسيّ المكتب. لم أُشعل الضوء. كان في الغرفة ضوءٌ واحد يأتي من ممرّ البيت.
سمعتُ المكيّف يعمل. سمعتُ بعيدًا سيّارةً تمرّ. سمعتُ نفسي أتنفّس. يدي على الخشب.
لا شيء أقوله. لا شيء أكتبه. لا شيء أرتّبه.
الدُّرج مفتوحٌ ورائي.
جلستُ.
