تجاوز إلى المحتوى
~/articlesالنَّسْج
READ 0%13 MIN LEFTWORDS 2,317
FILE 064 / 118 · النسج.md

§ قصص

النَّسْج

النسج.mdFILE 064 / 118
النوعقصص
التاريخ
القراءة13 دقائق · 2,317 كلمة
الإصدارحُرّر 2026-09-15
○ لم يُحفظ · 0%
لوحة زيتية لامرأة بثوب داكن وغطاء رأس تقف ظهرها للكاميرا في ممرّ خافت الإضاءة، تنظر إلى انعكاس ظهرها في نافذة أو مرآة داكنة أمامها على الحائط الحجري.
FIG. 01 · 1024×1024 · PNG

كانت العُقدة هناك مرّةً أخرى.

كلّ عشرة أشبار من الخيط، تمرّ بين إصبعيها نتوءٌ صغير، صلبٌ وجاف، بالكاد يُحَسّ. الإبرة تعبره بصوتٍ خافت — طقّة مكتومة تشبه فرقعة حبّة رمل بين الأسنان. ليان لم تتوقّف. أبقت إيقاعها كما هو: غرزة، شدّ، غرزة، شدّ. لكنّ أصابعها صارت تنتظر العُقدة قبل أن تصل إليها. عضلاتها تعدّ المسافة وحدها، وفي كلّ مرّة تصل العُقدة في الموعد المحدّد بالضبط، يمرّ في صدرها شيءٌ يشبه الارتياح ويشبه الفزع في الوقت نفسه.

في الركن المقابل من الغرفة، كانت فاطمة تخيط. إبرتها تتحرّك بسلاسة لا تتخلّلها فجوة. ظهرها مستقيم، كتفاها ساكنتان، أنفاسها بطيئة وثابتة كأنّها جزءٌ من نظام تهوية المبنى. ليان سمعتها مرّة تتنفّس — كانت زفرتها تتطابق تمامًا مع غرزتها، كأنّ الفعلين شيءٌ واحد. ليان حاولت ذلك مرّة. لم تستطع. كان هناك دائمًا شيءٌ يتأخّر: إمّا يدها عن صدرها، أو صدرها عن يدها.

صوت الإبرة وهي تخترق القماش كان يصلها متأخّرًا. ترى النزول، ثمّ تسمعه — بفارق لا يتجاوز نبضة. في البداية ظنّت أنّ الخلل في أذنيها. راقبت إبرة فاطمة. الصوت هناك أيضًا متأخّر. لكنّ فاطمة لا تُظهِر أيّ شيء. يداها تتحرّكان كأنّ التأخّر هو التوقيت الصحيح، كأنّ العالم خُلق هكذا منذ البداية ولم يسأل أحدٌ لماذا.

ليان مدّت الخيط أمام الضوء. أبيض. أملس. لا شيء مرئيّ. لكنّ إصبعيها تعرفان: العُقدة ستأتي بعد سبعة أشبار. ستّة. خمسة.

جاءت.


أمّها كانت تجلس على الأرض قرب النافذة حين عادت. أصابعها تمسح حجرًا أبيض أملس، تديره ببطء بين راحتيها كأنّها تبحث فيه عن شيء لم يكن فيه قطّ. لم ترفع رأسها حين دخلت ليان. لكنّ كتفيها تحرّكتا — ارتجافة خفيفة، كأنّ الهواء الذي دخل مع الباب لمسها في مكانٍ لم تكن مستعدّة له.

ليان علّقت المقصّ على المسمار. الثوب الذي أنهته اليوم مطويٌّ تحت ذراعها. وضعته على الطاولة. كان أثقل ممّا ينبغي. القماش خفيف — تعرف ذلك بعينيها، بمنطق يديها اللتين قصّتاه وخاطتاه — لكنّ وزنه في راحتيها لا يتوافق. كأنّ شيئًا استقرّ داخل النسيج أثناء العمل، شيءٌ لا يُرى ولا يُسمّى، لكنّه يضغط على العظام.

وضعته ولم ترفع يديها فورًا. بقيت أصابعها على القماش لحظة أطول — تلك اللحظة التي لم تكن تعرف إن كانت اختيارًا أم عجزًا عن الانسحاب. البرودة انتقلت من القماش إلى مفاصلها. مفاصل الأصابع أوّلًا، ثمّ المعصم. تصلّب خفيف يشبه ما يحدث بعد ساعات من العمل، لكنّه جاء قبل أوانه، كأنّ جسدها يتذكّر تعبًا لم يحصل بعد.

أمّها قالت شيئًا. لا — لم تقله. حرّكت شفتيها فقط. ليان رأت الحركة من طرف عينها: فمٌ يُشكّل كلمات دون أن يطلقها. ثمّ سكون. ثمّ:

«...حيث ينتهي القماش.»

جاءت العبارة بعد ثوانٍ، مبتورة، كأنّها نهاية جملة بدأت في مكانٍ آخر، أو في زمنٍ آخر. صوت أمّها كان ناشفًا ومسطّحًا، خاليًا من نبرة تدلّ على سؤال أو جواب أو تحذير. مجرّد كلمات مُلقاة في الهواء كخيوط مقطوعة. ليان لم تسأل. تعلّمت ألّا تسأل. في كلّ مرّة سألت، عاد الصوت إلى فمها فارغًا، ويداها أثقل.

أمّها عادت إلى الحجر. إصبعها يدور على سطحه الأملس بحركة لا تتغيّر ولا تصل إلى شيء.


في الصباح، كان الطريق إلى دكّان يوسف مختلفًا.

ليان لم ترَ الاختلاف. جسدها أحسّه أوّلًا — خطوةٌ إضافيّة لم تكن هناك بالأمس. الانعطافة التي تسبق الدكّان ضاقت بدرجة تكفي لأن يحتكّ كتفها بالجدار. الحجر كان دافئًا. ليس دفء الشمس — الشمس لم تصل إلى هذا الممرّ بعد — بل دفء آخر، أعمق، كأنّه صاعدٌ من تحت السطح، من مكان لا تملك له تفسيرًا ولا تحتاج إلى واحد. جسدها يعرف حرارة الجدران كما يعرف مكان العُقدة في الخيط.

توقّفت. أمالت رأسها قليلًا. كانت تفعل هذا دائمًا عند حافّة التغيير: تقف، تصغي بجسدها كلّه، كأنّها تنتظر من الهندسة الجديدة أن تستقرّ قبل أن تطأها. لكنّ شيئًا لا يُعلَن أبدًا. الممرّ كان كما هو وكان مختلفًا، والأمران صحيحان في اللحظة ذاتها. هل كان هكذا بالأمس؟ هل أخطأت في تذكّره؟ لا يوجد من تسأله. الآخرون يمشون كأنّ الممرّ لم يتغيّر — أو كأنّه يتغيّر دائمًا ولا فائدة من الملاحظة.

أكملت. كتفها لا يزال يحمل أثر الحجر الدافئ.

يوسف كان يفتح لفّة قماش حين دخلت. صوت القماش وهو يُفرَد ملأ الدكّان — حادّ، نهائيّ، كصوت شيء يُقطع بلا رجعة. لم ينظر إلى وجهها. نظر إلى يديها وهي تتدلّيان على جانبيها. كان يفعل هذا دائمًا، كأنّ يديها هما الجزء الوحيد منها الذي يستحقّ القراءة. بقيّتها — وجهها، عيناها، الأسئلة التي تحملها خلف أضلاعها — لا شيء من ذلك يعنيه.

«النسيج مختلف هذه المرّة.»

لم تسأل. قالتها كحقيقة، وانتظرت. يوسف أبقى يده على القماش. أصابعه مسطّحة فوق النسيج بلا حركة، كأنّه يستمع إليه. ثمّ قال:

«القماش كما هو.»

لم يرفع عينيه. مدّ اللفّة نحوها. أمسكت بها. كانت أثقل. تعرف في يديها أنّها أثقل — العضلات تبذل جهدًا مختلفًا، المفاصل تنحني بزاوية مختلفة. لكنّ يوسف كان قد أمسكها بيدٍ واحدة، بحركة بلا كلفة، كأنّ الوزن الذي تشعر به ليان وحدها تحمله.

خرجت. اللفّة تحت ذراعها تضغط على أضلاعها بضغط ثابت لا يؤلم ولا يرتاح. مجرّد حضور — ثقلٌ يذكّرها بأنّها تحمل شيئًا. أو أنّ شيئًا يحملها ولا يترك لها أن تنسى.


مرّت بالنافذة العريضة عند المنعطف. الزجاج معتم بضوء المساء. انعكاسها يمشي معها كما يفعل كلّ يوم. رفعت يدها لتعدّل ياقتها.

الانعكاس لم يرفع يده.

ثانية. أقلّ من ثانية. ثمّ تحرّك — تأخّرٌ بسيط كأنّه يحتاج إلى وقت ليقرّر أن يتبعها. ليان جمدت. يدها معلّقة عند ياقتها. حدّقت في الزجاج. الانعكاس الآن متطابق تمامًا. يدها مرفوعة. وجهها ساكن. كلّ شيء في مكانه.

لكنّ جسدها يتذكّر تلك اللحظة — اللحظة التي كانت فيها وحدها في حركتها، منفصلة عن صورتها كأنّ خيطًا رفيعًا بينهما قد انقطع ثمّ وُصل. مشت. لم تنظر إلى الزجاج مرّة أخرى. لكنّ رقبتها ظلّت متيبّسة طوال الطريق، كأنّها تقاوم الرغبة في الالتفات.


من نافذتها، رأت سمير.

كان في الفناء الصغير كما هو كلّ يوم. يحمل حجرًا داكنًا بكلتا يديه، ينقله من الجانب الأيمن إلى الأيسر. حجرًا بعد حجر. صوت الاحتكاك — مكتوم، إيقاعيّ، ثابت — يصلها عبر الزجاج كأنّه قادم من تحت الأرض. ثيابه رماديّة، لون تراب جفّ منذ سنوات. لا ينظر إلى أحد. لا أحدٌ ينحرف عن طريقه ليتجنّبه. يمرّون بجانبه كمن يمرّ بجانب جدار أو شجرة يابسة — شيءٌ موجود لكنّه لا يتطلّب استجابة.

ليان لا تعرف متى بدأ. لا تعرف إن كان يتوقّف ليلًا أم أنّ الحجارة تعود إلى أماكنها وحدها فيبدأ من جديد مع الفجر. لكنّها تعرف — تعرف في جسدها، في ذلك المكان البارد خلف عظمة الصدر — أنّ ما يفعله ليس عقابًا. لا سجّان ولا قيد. مجرّد استمرار كلّ شيء حوله كأنّه ليس هنا.

أدارت ظهرها للنافذة. يداها ترتجفان. ليس خوفًا — بل شيءٌ أبرد من الخوف وأقرب إلى العظم. شيءٌ يشبه التعرّف. كأنّ جزءًا منها يعرف ذلك الفناء، يعرف شكل تلك الحجارة في الكفّين. يداها انقبضتا.


في تلك الليلة، الطنين عاد.

يبدأ دائمًا قبل النوم مباشرة. لا تسمعه بأذنيها — تحسّه في عظام فكّها أوّلًا، ثمّ في أسنانها، ثمّ في مكانٍ أعمق، في العظيمات الصغيرة داخل الأذن الوسطى. ضغطٌ مستمرّ بلا مصدر ولا اتّجاه. كأنّ المبنى نفسه يهتزّ بتردّد أخفض من أن يُسمَع، تردّدٌ يعبر الجدران ويصل مباشرة إلى العظام.

قاست الجدار بشبر يدها. أربعة عشر شبرًا. بالأمس كان خمسة عشر. أو هكذا تتذكّر. لكنّ الذاكرة هنا ليست سطحًا صلبًا — إنّها قماشٌ أيضًا، يتمدّد ويُعاد طيّه، وفي كلّ مرّة تفقد منه ثنية لم تكن تعلم أنّها تحتاجها. هل كان الجدار دائمًا هنا؟ هل كانت الزاوية بهذا الحدّ؟ السقف — هل كانت تستطيع مدّ ذراعها هكذا من قبل دون أن تحسّ أنّها ستلمسه؟

وضعت ظهرها على الجدار. الجصّ كان رطبًا ولزجًا قليلًا، كأنّه جلدٌ يتعرّق في غرفة مغلقة. بحلول الظهر سيصبح جافًّا وخشنًا، يخدش القماش إن احتكّت به. تعرف هذا. جسدها يعرف إيقاع الجدران كما تعرف أصابعها إيقاع الإبرة — معرفة لا تمرّ بالعقل، لا تحتاج إلى كلمات.

أغمضت عينيها. الطنين يملأ فكّها بضغط صامت.


الجرس دقّ عند الظهيرة بإيقاع مختلف.

ليان كانت تمسك خضارًا باهتة في السوق حين سمعته. نبضة واحدة تأخّرت — فراغٌ صغير بين دقّتين حيث لا ينبغي أن يكون فراغ. الهواء علق في ذلك الشقّ الزمنيّ. صدرها تجمّد لحظة — لا لأنّها أرادت التوقّف، بل لأنّ جسدها لم يعرف أين يضع النبضة التالية.

نظرت حولها. البائع يُكمل. المرأة بجانبها تُكمل. أجسادهم انتقلت إلى الإيقاع الجديد بلا فجوة، كأنّه الإيقاع الذي كان دائمًا، كأنّ الجرس لم يتغيّر بل هي التي أخطأت في السماع. ليان وحدها واقفة بنفَسٍ معلّق، تمسك الخضار الباهتة بأصابع باردة، تنتظر شيئًا لن يأتي — تصحيحًا، إقرارًا، نظرة واحدة من أحدهم تقول: نعم، سمعتُ ذلك أيضًا.

لا شيء.

أكملت. وضعت الخضار في الكيس. لكنّ يدها ظلّت تشعر بفراغ الدقّة الغائبة، كأنّ أصابعها أمسكت بحافّة ثقبٍ في الهواء ثمّ أفلتته.


في طريق العودة مرّت بالساحة. الأطفال هناك يلعبون. يرسمون خطوطًا بالطبشور على الحجارة ويمشون داخلها بخطوات محسوبة. راقبتهم. طفل تجاوز الخطّ. لم يخسر. لم يخرج من اللعبة. عاد إلى البداية وبدأ من جديد. الخطوات نفسها. المسار نفسه. لا هدف، لا نهاية، لا فائز. مجرّد إعادة. إعادة. إعادة.

وجوههم لم تكن حزينة. لم تكن سعيدة أيضًا. كانت مركّزة فقط — تركيز من يؤدّي شيئًا يعرفه بجسده قبل أن يسأل عن معناه.

مشت. أصابع قدميها، داخل حذائها، تحسّ الحجارة أسفلها دافئة — ذلك الدفء الثابت الذي لا علاقة له بالشمس، الذي يصعد عبر النعل ويستقرّ في باطن القدم كأنّ الأرض تتنفّس.


في اليوم التالي، خاطت غرزةً فضفاضة.

فعلتها عمدًا. ليست غرزة سيّئة — مجرّد غرزة أقلّ إحكامًا بدرجة لا تراها العين، لا تُحَسّ إلّا بالإصبع لو مرّ أحدٌ عليها ببطء كافٍ. تركتها في الثوب وسلّمته في نهاية اليوم. المسؤول أخذه دون أن يميل رأسه.

في الصباح التالي، وجدت الثوب نفسه في أعلى الكومة. الغرزة مُصلَحة. محكمة. مثاليّة. كأنّ أصابعها لم تلمسها قطّ. كأنّ القرار الذي اتّخذته — تلك الثانية التي اختارت فيها أن تُرخي الخيط بمقدار لا يتجاوز عرض شعرة — لم تحدث. لا أثر. لا تعليق. لا نظرة حتّى.

شيءٌ انكمش في صدرها. ليس غضبًا ولا إحباطًا. شيءٌ أهدأ وأقسى: الفراغ الذي تركته قد امتلأ دونها، بإحكام وصمت كأنّها لم تفعل شيئًا على الإطلاق.

فاطمة كانت تخيط. إبرتها تصعد وتنزل بإيقاعٍ لا شائبة فيه. الجفن الأيسر ساكن هذا الصباح. الأنفاس متّزنة. ليان نظرت إلى يديها هي — يديها التي تعرف مكان العُقدة قبل أن تصل، يديها التي تتوقّف قبل القماش لثانية كأنّها تستأذنه أو تستأذن نفسها، يديها التي لا تستطيع أن تكون مثل يدَي فاطمة مهما حاولت — وسألت نفسها للمرّة الأولى: هل التوقّف هو الخلل، أم أنّه الشيء الوحيد الذي لا يزال لها؟

إن كان خللًا فلماذا لا تريد إصلاحه؟

لم تجد إجابة. فتحت يديها. مدّتها نحو الإبرة — توقّفت. أصابعها معلّقة فوق المعدن البارد. ثمّ أمسكتها. العُقدة بعد ثمانية أشبار.


بعد ذلك بأيّام — لا تعرف كم، لأنّ الأيّام هنا لا تتراكم بقدر ما تتكرّر — وجدت الغرفة في الجزء الخلفيّ من المبنى.

لم تكن تبحث عنها. كانت تبحث عن مقصّ أضاعته أو أنّه انتقل من مكانه — لم تعد تميّز بين الأمرين. الباب كان موارَبًا. الهواء الذي خرج منه كان باردًا ومعدنيًّا، كرائحة الهواء بعد صاعقة بعيدة — تلك الرائحة التي صارت أكثف في الأيّام الأخيرة، تُغلّف مؤخّرة الحلق وتجعل الماء مرًّا قليلًا.

دخلت.

أثوابٌ بيضاء. عشرات. ربّما مئات. مطويّة فوق بعضها في أكوام تصل إلى السقف، صفراء من زمنٍ طويل. لم يُلبَس أيٌّ منها. تعرف ذلك بأصابعها قبل أن تعرفه بعينيها — الثنيات لا تزال حادّة، القماش عند الأكتاف لم يتمدّد، لم يأخذ شكل جسد. إلّا ثوبًا واحدًا قرب القاع — ثنيته عند الكتف مقوّسة، كأنّ شيئًا ضغط عليها من الداخل ثمّ انسحب. خاطتها أيدٍ — ربّما يداها، ربّما أيدٍ جاءت قبلها — ثمّ طُوِيت ووُضعت هنا. في البرد. في العتمة. بلا جسد ينتظرها.

مدّت يدها ولمست الثوب الأعلى. كان باردًا. ثقيلًا. البرودة المألوفة سرت من أطراف أصابعها إلى معصمها — التصلّب نفسه الذي تعرفه كلّ مساء بعد ساعات العمل. لكنّه هنا لم يكن بحاجة إلى ساعات. لمسة واحدة كفت.

التصلّب سكن مفاصلها — نفسه. الوزن نفسه. كلّ ثوب حملته وسلّمته ثمّ وجدته مُصلَحًا في الصباح كان هنا. مطويًّا. باردًا. الغرزة، الشدّ. يداها انسحبتا عن القماش ببطء.

خرجت. أغلقت الباب خلفها. خطواتها على الحجارة تصلها متأخّرة بنبضة.

لم يتغيّر شيء.


في ذلك المساء، جلست أمّها في مكانها المعتاد. الحجر الأبيض بين يديها. إصبعها يدور. ثمّ:

«...الجرس الثاني. ليس الأوّل.»

ليان لم تسأل أيّ جرس. لم تسأل ماذا يعني الثاني. جلست على الأرض وبدأت تطوي ثوبًا. أصابعها تتحرّك ببطء. وقبل كلّ طية، تتوقّف — ثانية واحدة — ثمّ تُكمل. أمّها تراقب حركة يديها من طرف عينها. لا وجهها. يديها فقط. كما يفعل يوسف. كأنّ اليدين هنا هما ما يُقرأ، ما يُحكَم عليه، ما يبقى بعد أن يذهب كلّ شيء آخر.

التوقّف لم يكن رفضًا. ولم يكن قبولًا. كان المسافة الوحيدة التي تتّسع لها بين غرزة وغرزة — المكان الذي لا يزال جسدها يتعرّف فيه على نفسه قبل أن يمتثل. لكنّ ما حوله يمتلئ. والمسافة تصغر. تصغر. تصغر.


الطنين توقّف.

جاء التوقّف دفعةً واحدة — كأنّ يدًا سحبت صوتًا من جوف الأرض. الصمت الذي حلّ لم يكن غياب صوت. كان حضورًا ثقيلًا، ضغط على طبلتَي أذنيها من الداخل. صوت مقصّها صار هائلًا في الغرفة. أنفاسها خشنة في حنجرتها. حتّى صرير الخيط وهو يمرّ عبر القماش صار مسموعًا بوضوح مُقلق، كأنّ طبقة كاملة من العالم أُزيلت فانكشف ما تحتها.

فاطمة رفعت رأسها. أوّل مرّة تفعل ذلك منذ بدأت ليان تراقبها. جفنها الأيسر ارتجف — رفّة سريعة، كادت لا تُرى، شقّ في السطح الأملس. ثمّ عاد وجهها كما كان. هادئًا. مغلقًا كقماش مطويّ. وقفت ببطء، طوت ثوبها بحركة نظيفة واحدة، ومشت نحو الباب. خطواتها متساوية. إيقاعها لا ينكسر.

في الخارج، الناس يمشون. ليس نحو المركز — نحو بيوتهم. بالسرعة ذاتها. بالمسافة ذاتها بين خطوة وخطوة. لا أحد ينظر إلى أحد. أجسادهم تعرف الطريق. أقدامهم تعرف الإيقاع.

ليان وقفت عند الباب. يداها على جانبيها. القماش تحت ذراعها ثقيل وبارد. الهواء المعدنيّ يملأ مؤخّرة حلقها بمرارة خفيفة.

أمّها مرّت بجانبها. لم تنظر إليها. أصابعها تمسك الحجر الأبيض. مشت نحو الخارج بخطوات بطيئة وثابتة، خطوات من يمشي داخل شيء يعرفه منذ زمنٍ أطول من جسده.

ليان لم تتحرّك. وقفت في الباب والصمت يضغط على أذنيها والهواء بارد على وجهها والعالم كلّه يمشي بإيقاع واحد وهي واقفة بلا إيقاع.

ثمّ تحرّكت.

لم تمشِ نحو الخارج. عادت إلى الطاولة. جلست. أمسكت الإبرة. الخيط بين إصبعيها أبيض وأملس. العقدة القادمة بعد عشرة أشبار. تعرف أين ستكون. تعرف كيف ستحسّها.

بدأت تدندن. الصوت خرج منها قبل أن تقرّره — نغمة واطئة، مستوية، تسري من حنجرتها كأنّها كانت هناك دائمًا وتنتظر. النغمة تتطابق مع الأصوات القادمة من الغرف المجاورة، من الممرّات، من الجدران ذاتها. يداها تتحرّكان. الغرزة، الشدّ. الغرزة، الشدّ.

والتوقّف — ذلك التوقّف الصغير الذي لا يتجاوز نبضة قلب، والذي لا يراه أحد ولا يسمعه أحد — لا يزال هناك.

بينها وبين الغرزة التالية، مسافة.

لا تعرف إن كانت المسافة تصغر.

لكنّها تعرف أنّها لا تزال موجودة.

انتهى النصّ · نُشر 2026-03-29 · آخر تحرير 2026-09-15
سلطانكاتب ومطوّر

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.

الرسالة

NEWSLETTER

حين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.

بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.