بعدَ الثلاثينَ
ما عادَ قلبي يستفيقُ لكلِّ طارقْما عادَ يفتحُ بابَهُلعيونِ مَن جاؤوا عِجالًاثمَّ ساروا في الطريقِ بلا وداعٍتاركينَ على الأصابعِبرودةَ الوعدِ المُراوغْكم مرّةًفتحتُ ذاتي كالنوافذِ للرياحِظانًّا بأنَّ الريحَ تحملُ ليعبيرَ الآخرينْفإذا بها ريحٌ وحسبُتدورُ في جسديوتخرجُ باردةْ
تعِبتُ من وجهي القديمِأراهُ في المرآةِيسألُني:إلى أينَ المسيرُ؟ولا أُجيبُلأنَّني أمشي بلا هدَفٍسوى أن أبتعدْعمَّن يُريدونَ انتمائيوهُم يُشيحونَ القلوبَإذا اقتربتُ
بعدَ الثلاثينَ
صارَ للصمتِ طعمُ النبيذِ المُعتَّقِأشربُهُ على مَهَلٍوأسكرُ من سكينتِهِ العميقةِلا من ضجيجِ الكلماتْصارَ الكلامُ القليلُأصدقَ من خُطَبِ المحبّةِحينَ تفيضُ بالوعودِوتجرحُكَ الأفعالُقبلَ طلوعِ يومٍ آخرٍَكنتُ أظنُّ أنَّ الحبَّ نارٌتشتعلُ ولا تُطاقُفعرفتُ أنَّ الحبَّ ماءٌيتسرّبُ في الشقوقِوينبتُ العشبَ الصغيرَعلى حوافِّ قلبِكَدونَ ضجّةَْكنتُ أظنُّ أنَّ البقاءَنصرٌ على وجعِ الرحيلِفعرفتُ أنَّ الراحلينَمنحوكَ فُسحةًلتعودَ تعرفُ مَن تكونُبلا مراياهُمْ
بعدَ الثلاثينَ
قلَّتْ أمانيَّوصارتْ واضحةْكعيونِ طفلٍ ينظرُ الدنيابلا أحكامِهِ المُسبَقةْأريدُ مَن يأتي إليَّبكامِلِ اختيارِهِلا مُرغَمًالا خائفًا من وحدةٍ تغزوهُإنْ أدارَ ظهرَهُأريدُ مَن يقرأُ سكوتيكالكتابِ المفتوحِلا يسألُ: لماذا صمتَّ؟بل يجلسُ قُربيصامتًا حتى أعودَمن غيابي وحديعرفتُ أنَّ الأصدقاءَهُمُ الذينَ إذا ابتعدتَتركوكَ تمضيدونَ لومٍَوإذا رجعتَفتحوا ذراعَيهمكأنَّكَ ما غِبتَ يومًاوعرفتُ أنَّ الحبَّ ليسَ تملُّكًابل أن تُحبَّ بلا قيودٍوتُحِبَّ أيضًامَن يكونُ بلا قيودِكْ
بعدَ الثلاثينَ
صرتُ أخافُ خوفًا مُختلفْلا أنْ يموتَ الجسدُلا أن تفنى الأيّامُبل أن أصِلَ إلى النهاياتِوأنا نسخةٌ باهتةٌمن كلِّ مَن أرضيتُهُمْضيَّعتُ فيهم ما تبقّىمن ملامحيَ الصغيرةْأخافُ أن أنسى صوتيوأنا أُردّدُ ما يُريدونَأخافُ أن تتبدّدَ روحيبينَ أدوارٍ كثيرةْ
لذا اخترتُ أن أحيا قليلًالكنْ حقيقيًّاكنبتةٍ في الظلِّلا تطلبُ كثيرًا من ضياءٍغيرَ ما يكفي لتحيااخترتُ أن أصمتَ كثيرًاوأتكلّمَ حينَ أعنيأن أُحبَّ بلا ادّعاءٍوأرحلَ حينَ يجفُّ المعنى
بعدَ الثلاثينَ
جلستُ مع نفسي طويلًاثمَّ قلتُ لها:سأحملُكِ برفقٍمن هنا حتى النهايةِلن أُثقِلَ ظهرَكِبالذين يجيئونَ ويمضونَسأختارُ القليلَوأكتفي بالقليلِ الصادقِوسأنظرُ في المرآةِكلَّ صباحٍوأقولُ:أنتَ كافٍحتى لو لم يرَ ذلكَأحدٌ سواكْ