§ شذرات
وحدةٌ مزدحمة

يقولون إنّ الوحدة غيابُ الآخرين. لكنّ أعمق أشكالها يحدث في مطعمٍ مزدحم، حين تضحك في التوقيت الصحيح وتسمع صوتك يخرج منك كأنّه يخصّ شخصًا آخر. تومئ بالرأس، تمسك الكأس، تشعر بدفء الأصابع حوله — وبينك وبين كلّ هذا الأداء زجاجٌ سميكٌ لا يراه أحد. الوحدة الحقيقية ليست أن تكون وحدك، بل أن تتقن الحضور وأنت غائب تمامًا.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 1 / 14الوحدة الحقيقية ليست أن تكون وحدك. الوحدة أن تجلس في غرفة مليئة بالناس، وتدرك أن لا أحد منهم يعرف الطريق إلى الغرفة الداخلية فيك — تلك التي تخبئ فيها ارتباكك. وأنت أيضًا نسيت أين وضعت المفتاح.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 2 / 14أخبرها بكل شيء. لم يُخفِ شيئًا. ثم عاد إلى بيته وأدرك أنه لا يزال وحيدًا. ليس لأنها لم تسمع. بل لأن بعض الأشياء لا تخفّ حين تُقال. تخرج من الفم وتعود وتجلس في نفس المكان.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 3 / 14ثمة لحظة في كل صداقة، في كل حب، ندرك فيها أن الآخر لن يفهم تمامًا. ليس لأنه لا يحاول. بل لأن بيننا مسافة لا تُعبر، مسافة ليست فشلًا بل شرط الوجود. نحن جزر نبني جسورًا، لكن الجسور لا تُلغي الماء.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 4 / 14الرغبةُ في أن نُفهَم هي آخر ما يتركنا. نُسلّم بكلّ شيء: بالوحدة، بالخسارة، بالصمت، إلّا هذا: أن يظلّ أحدٌ ما يرانا كما نرى أنفسنا. ولهذا تُكتب الرسائلُ التي لا تُرسَل، وتُقال الاعترافاتُ التي لا يسمعها أحد. نحن نتكلّم، حتى في الصمت، مع مستمعٍ افتراضيٍّ لم يخلقه إلّا يأسُنا من أن نُفهَم فعلًا.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 5 / 14سألته: لماذا لا تتكلم؟ لم يكن صامتًا لأنه لا يعرف ماذا يقول. كان صامتًا لأن ما يريد قوله يحتاج شخصًا لم يلتقه بعد.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 6 / 14اليدُ التي تمتدّ نحو شيءٍ بعيد، ثم تعود خاويةً، لا تعود كما خرجت. تحمل في راحتها أثرَ غيابه كما لو كان ثقلًا. الإنسان لا يُحرَم من الأشياء فقط، بل من قدرة يده على نسيان ما لم يبلغه. نحن مصنوعون، في جزءٍ منّا، من كلّ ما مددنا إليه أيدينا ولم يكن هناك.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 7 / 14مددتُ يدي مرّات كثيرة في العتمة. أحيانًا تلامس شيئًا، وأحيانًا لا تلامس إلا الهواء البارد. الغريب أنني لم أتعلم أيهما أصعب — أن تجد يدًا فترتبك، أم أن تجد الفراغ فتتأكد. اليد الممدودة سؤالٌ، والإجابات دائمًا تأتي بدرجة حرارة مختلفة عما توقعنا.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 8 / 14ما لم يُستجب له مرات كثيرة، يتوقف عن الطلب. ليس فخرًا، بل نوعًا من الذبول. اليد التي امتدّت ولم تجد يدًا، لا تعود تمتد بالحماس نفسه. تتعلم أن تحتضن نفسها، وتسمّي هذا اكتفاءً.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 9 / 14تنظر إلى الهاتف وهو لم يرنّ. لا تنتظر رسالةً؛ تتأكّد أن الصمتَ ليس عطلًا فيه، بل قرارًا في مكانٍ آخر.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 10 / 14تتصل بهم لأنك وحيد، ثم تُنهي المكالمة وأنت أكثر وحدة. ليس لأنهم خذلوك — بل لأنك اكتشفت أن ما تريد قوله لا يُقال عبر الأسلاك. بعض الوحشة تحتاج جسدًا مقابلًا، أنفاسًا تُسمع، صمتًا مشتركًا لا تتخلله ضرورة الكلام.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 11 / 14كلما كبرت، قلّ عدد الذين تستطيع أن تتصل بهم في الثالثة فجرًا. ليس لأنهم ماتوا — بل لأن شيئًا بينكم مات. المسافة، الوقت، الحياة التي تجرف كلًا منكم في اتجاه. تتصفح الأسماء ولا تجد من يتّسع صدره لما تريد أن تقول. فتقفل الهاتف، وتتعلم أن تكون تلك الأذن لنفسك.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 12 / 14نقول «أريد أن أكون وحدي» حين نعني «أريد أن أكون مع شخص لا أحتاج معه أن أشرح لماذا أنا صامت». الوحدة التي نختارها ليست رفضًا للآخرين — إنها استراحة من ثقل أن نُترجَم طوال الوقت.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 13 / 14مَن يختار الوحدة لا يهرب من الناس — بل يهرب من النسخة التي يصير إيّاها بينهم. كل حضور اجتماعي يتطلب تعديلًا: تخفّض صوتًا هنا، تبتسم هناك، تُقدّم نصف رأيك بربع نبرتك. مع الوقت تتراكم التعديلات حتى تنسى أين يبدأ الأصل وأين تبدأ النسخة. الوحدة حينها ليست فراغًا بل عملية استرجاع: محاولة لتذكّر كيف كنتَ تفكر قبل أن تتعلم كيف يجب أن تبدو وأنت تفكر. ذلك الارتخاء الذي تشعر به في كتفيك لحظة تُغلق الباب خلف آخر ضيف — ذلك الهبوط البطيء — هو ليس راحة من التعب، بل راحة من التمثيل. والفرق بينهما أن الأول يحتاج نومًا، والثاني يحتاج صدقًا.
من مجموعة «وحدةٌ مزدحمة» · 14 / 14
الرسالة
NEWSLETTERحين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.
بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.