§ شذرات
من ينكسر ببطء

اللحظةُ التي نقرّر فيها ألّا نُكمل شيئًا لا تكون حاسمة؛ بل غامضة. نادرًا ما نتركُ ما نحبّ بقرار؛ بل ننسحب منه تدريجيًّا، فلا نعرف متى انتهى. ولهذا تبقى أكثرُ نهاياتنا دون تاريخ؛ لأنها لم تحدث في لحظة، بل تآكلت على امتداد لحظات لم نكن نُحصيها.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 1 / 11أقسى أنواع الخسارة تلك التي لا تأتي دفعة واحدة. شخصٌ يبتعد سنتيمترًا كل أسبوع. محادثات تقصر سطرًا سطرًا. لا لحظة يمكنك أن تُشير إليها وتقول: هنا انتهى الأمر. فقط تستيقظ يومًا وتلاحظ أن الكرسيّ المقابل صار مكانًا لتضع عليه معطفك.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 2 / 11الخسارة لا تحدث مرة واحدة. تفقد الشخص مرات عديدة: حين يرحل، ثم حين تتذكره أول مرة، ثم حين تنسى صوته، ثم حين تمرّ بمكان كنتما تذهبان إليه معًا ولا تشعر بشيء. كل مرة، تفقده بطريقة مختلفة. وفي كل مرة، تعتقد أن هذه هي الأخيرة. لكنها لا تكون.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 3 / 11الرحيلُ الحقيقيُّ ليس لحظة المغادرة؛ بل اللحظةُ التي، قبل الرحيل بوقتٍ طويل، قرّرنا فيها، في سرّنا، أن نذهب. الجسدُ يلحق بالقرار متأخّرًا، أحيانًا بسنوات. ولهذا، كثيرٌ ممن «غادروا فجأة» كانوا قد رحلوا منذ زمن، فقط لم يجدوا لحظةً مناسبة لإبلاغ أجسادهم.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 4 / 11بعض الناس لا يغادرون حين يغادرون. يتركون إيقاعًا في جسدك، طريقة في الالتفات، توقّعًا للخطوات حين يُفتح الباب. تتعافى، أو تظن ذلك، ثم تسمع أغنية أو تشمّ رائحة، فتكتشف أنهم كانوا نائمين فقط، لا غائبين.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 5 / 11هناك أشياء مكسورة بطريقةٍ لا يُعاد لصقها. ليس لأنها تحطمت، بل لأنها تشققت ببطء، خطًا رفيعًا كل مرة، حتى صارت الشقوق هي الشيء نفسه. نحملها هكذا، بحذر، نعرف أنها لن تعود كما كانت، ونعرف أيضًا أننا لن نستطيع التخلي عنها. هذا ليس ضعفًا — هذا ما يعنيه أن تكون قد أحببت شيئًا بما يكفي لتتشقق معه.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 6 / 11ليس هناك ما يسمى «إغلاق الصفحة». الصفحات لا تُغلق — تُطوى. والورق المطوي يحتفظ بأثر الطيّة. نحن لسنا كتبًا مرتبة؛ نحن أوراق مجعدة، مطوية، مبللة أحيانًا بدموع جفّت ولم تمحُ الكلمات.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 7 / 11نحن لا نملك حياة واحدة — نملك عدة حيوات ممكنة، كلها تموت إلا واحدة. كل «لا» قلتها، كل طريق لم تسلكه، كل قرار اتخذته — قتلت نسخة منك كانت تنتظر أن تولد. نحن نعيش حياة واحدة وننعى، في صمت، كل الحيوات التي لم نَعِشها.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 8 / 11نموت كثيرًا قبل موتنا الأخير. نموت كلّما تخلّينا عن رغبة، وكلّما خسرنا صديقًا، وكلّما اكتشفنا أن نسخةً منّا لم تعد موجودة. الموت الأخير ليس استثنائيًّا؛ هو فقط آخر موتٍ في سلسلةٍ طويلة لم ننتبه إليها، لأنّنا كنّا مشغولين بالعيش.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 9 / 11نحن لا نتغير. نتراكم. كل نسخة جديدة منا تُبنى فوق الأنقاض، والأنقاض لا تختفي — تتحول إلى أساس. لهذا نشعر أحيانًا بثقل لا نفهمه: نحمل كل من كُنّاهم، وكل من لم نستطع أن نكونهم.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 10 / 11نصلُ إلى منتصف العمر فنكتشف أننا لم نُصبح شخصًا آخر؛ بل صرنا نسخةً أكثر تراكمًا من الشخص نفسه. كلّ ما ظنّنا أنّنا تخلّصنا منه كان يسير خلفنا ويزداد ثقلًا. النضجُ ليس تطهّرًا، بل فهمٌ أعمقُ لما لا يُمكن أن نتطهّر منه.
من مجموعة «من ينكسر ببطء» · 11 / 11
الرسالة
NEWSLETTERحين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.
بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.