تجاوز إلى المحتوى
~/series/أطلس-الغيابكل شيء في مكانه · نصّ 2 من 7
READ 0%5 MIN LEFTWORDS 749
FILE 062 / 118 · كل-شيء-في-مكانه.md

§ قصص · أطلس الغياب · 2 / 7

كل شيء في مكانه

كل-شيء-في-مكانه.mdFILE 062 / 118
النوعقصص
التاريخ
المسودةأطلس الغياب — النصّ 2 من 7
القراءة5 دقائق · 749 كلمة
الإصدارحُرّر 2026-09-15
○ لم يُحفظ · 0%
لوحة زيتية ليدٍ مستريحة على غطاء أريكة بجوار وسادة، أمام شاشة تلفاز مطفأة تعكس كرسيًّا وثيرًا خاليًا ورفًّا عليه أكواب.
FIG. 01 · 1024×1024 · PNG

قال لهُ الفراغ — ليس بصوت، بل بالطريقة التي تُصدر بها الغرفة صدىً حين لا يوجد فيها ما يمتصّ الصوت.

فتح فمه ليقول شيئًا. لم يكن يعرف ماذا بالضبط. لكن صوته اصطدم بالجدران الأربعة وعاد إليه سليمًا، لم يلمسه شيء، لم يُخدش — كأنه رمى حجرًا في بئرٍ فعاد الحجر إلى يده بدل أن يسمع ارتطامه بالماء.

— أنا هنا.

قالها للغرفة. الغرفة لم تردّ. لكنّ الستارة تحرّكت بلا نافذة مفتوحة، حركة واحدة بطيئة كإيماءة رأس، ثم سكنت. كأن شيئًا سمع وقرّر ألا يُظهر وجهه.

— أنا أتكلّم معك.

هذه المرة، الثلاجة في المطبخ توقفت عن الطنين. لثانيتين. ثلاث. أربع. صمتٌ لم يكن غياب صوت، بل كتلة هوائية فارغة استلقت على الأرضية كحيوانٍ كبير يحبس أنفاسه. ثم عاد الطنين، كأن شيئًا لم يحدث. كأنّ الصمت لم يكن إلا تنهيدة ابتلعها المكان.

نظر إلى الكرسي المقابل. وسادته مستوية، منتفخة بالتساوي من جميع الجهات، دون أن تعرف شكل ظهر أو ثقل فخذين. كرسي بِكر. كرسي لم يُستعمل حتى يتعلّم الخضوع. كان واقفًا هناك بثقة الأشياء التي لم يحتجها أحد — كطبقٍ نظيف في خزانةٍ لا تُفتح.

— هل كنتَ هنا دائمًا، أم أنك جئتَ حين خرج الآخرون؟

مدّ يده نحو الطاولة. على السطح الخشبي، حيث تنتهي مساحة الغبار وتبدأ مساحة أخرى — نظيفة، دائرية، بحجم قاعدة كوب — كانت الإجابة. شكلٌ محفور بالغياب. أثرُ شيءٍ كان هنا وانسحب، تاركًا توقيعه في الفراغ الذي لا يملؤه الغبار. مرّر إصبعه على حافة الدائرة. الخشب داخلها أملس. الخشب خارجها خشن بالزمن. حدٌّ واضح بين مكانٍ عاشه شيء ومكانٍ تُرك وحده.

الفراغ لا يجيب بالكلمات. يجيب بالمسافات.

المسافة بين الوسادتين على الأريكة — واحدة منهما غائرة بشكله، والأخرى منتفخة كأنها لم تُولد بعد. المسافة بين الشوكتين في الدرج — إحداهما باهتة من كثرة الاستخدام، والأخرى تلمع بفضّة كاملة، كسنّ لم يعضّ على شيء قط. ثم الخطّاف الوحيد خلف باب الحمّام — لا منشفة عليه، ولا أثر منشفة سابقة، ولا خطّاف ثانٍ بجواره. لم يكن هناك أصلًا ما يُقارن به. لا نصفه الآخر مفقود، بل لم يُصمَّم له نصف آخر. شيء وُلد وحيدًا واكتفى بظلّه على البلاط كجسمٍ كامل.

ضغط على مفتاح الضوء في الممر. لم يحدث شيء. ليس لأنه معطّل — بل لأن المصباح هناك كان قد أُزيل منذ أشهر. فراغُ السقف الدائري نظر إليه من الأعلى كمحجر عينٍ فارغ. أنزل يده ببطء. أبقى المفتاح في وضع التشغيل. الممر بقي معتمًا، لكنّ المفتاح الآن يؤدي وظيفة لا معنى لها — إرسال أمرٍ إلى مكانٍ لم يعد فيه من يستقبل.

وقف عند النافذة. في الزجاج، انعكس وجهه مركّبًا على مشهد الشارع. كأنه يقف في الخارج وفي الداخل في الوقت نفسه — أو لا يقف في أيّ منهما. في الأسفل، رجل يمشي بمظلّة. كلب يتبعه. خطوتان بشريتان، أربع خطوات حيوانية، إيقاع غير متطابق لكنه مرافق. حياة تمشي مع حياة. نظر حتى اختفى المشّاء عند المنعطف. بقي الرصيف المبلّل يعكس ضوء المصباح بلا أقدام.

عاد إلى الأريكة. الحفرة استقبلته. التلفزيون يبثّ وجوهًا تتكلم خلف الزجاج — أفواه تُفتح وتُغلق كسمكٍ في حوض مضاء. خفّض الصوت إلى الصفر. بقيت الشفاه تتحرك، الأيدي تُلوّح وتلمس أذرعًا وتضحك. مسرحية كاملة من التواصل، مغلّفة بالزجاج والصمت.


ثم حدث شيء.

التلفزيون أطفأ نفسه. ليس انقطاع كهرباء — ضوء المطبخ لا يزال مشتعلًا، والثلاجة تطنّ. لا زرّ ضُغط، ولا مؤقّت يعمل. الشاشة صارت سوداء. وفي سوادها ظهرت الغرفة منعكسة بالكامل — الأريكة، الوسادة الفارغة، الكرسي البِكر، الرف بأكوابه الثلاثة. كل شيء حاضر. كل شيء في مكانه.

لم يلاحظ ما ينقص.

واصل النظر إلى الشاشة السوداء بنفس الإيقاع الذي كان يشاهد به الوجوه المتحركة قبل لحظات. العينان تتنقّلان بين تفاصيل الغرفة المعكوسة — الرف، الكرسي، حافة الستارة — كأن شيئًا لم يتغيّر. كأن المشهد الجديد مقبول تمامًا. كأن الغرفة بلا أحد فيها هي نفسها الغرفة التي يجلس فيها، والفرق بين الصورتين لا يستحقّ التوقف.

يده امتدّت نحو الريموت. وجدته قد انزلق من مسند اليد إلى الشقّ الضيق بين الوسادتين — المسافة نفسها التي تفصل بين حفرته والوسادة التي لا تعرف أحدًا. لمسه بأطراف أصابعه. لم يسحبه. الأصابع بقيت هناك، في العتمة الضيقة بين القماشتين، ساكنة، كأنها وجدت مكانها الطبيعي.

الغرفة الآن بلا صورة ولا صوت. فقط الطنين. وضوء المطبخ الذي يسقط مستطيلًا أصفر على أرضية الممر المعتم، يتوقف عند حافة الظلّ بدقّة، كأنه يعرف حدوده ولا يتجاوزها.

أصابع يده الأخرى على حافة الوسادة المجاورة. القماش بارد ومشدود. ضغط بخفّة. ارتفع القماش حول أصابعه كأرضٍ تحاول أن تتذكّر ثقلًا لم تعرفه بعد.

الساعة على الحائط واصلت دقّاتها. دقّة. دقّة. دقّة. كل واحدة تسقط في الغرفة كحصاة في ماء لا يتموّج. الأريكة تحمل وزنًا في حفرتها. الطنين يملأ المطبخ. الضوء يتوقف عند حافته. المفتاح في وضع التشغيل. الستارة ساكنة. والشاشة السوداء تعرض غرفةً مرتّبة ومكتملة، كل شيء فيها حاضر وجاهز ويعمل.

الغرفة لا تنتظر أحدًا. الغرفة تواصل.

انتهى النصّ · نُشر 2026-03-25 · آخر تحرير 2026-09-15
سلطانكاتب ومطوّر

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.

الرسالة

NEWSLETTER

حين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.

بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.