تجاوز إلى المحتوى
~/articlesغدٌ لم يوقّع
READ 0%6 MIN LEFTWORDS 919
FILE 009 / 118 · غد-لم-يوقع.md

§ شذرات

غدٌ لم يوقّع

غد-لم-يوقع.mdFILE 009 / 118
النوعشذرات
التاريخ
القراءة6 دقائق · 919 كلمة
الإصدارحُرّر 2026-09-15
○ لم يُحفظ · 0%
رجل يجلس على مقعد انتظار معدني بجانب حقيبة سفر في ممرّ رمادي تحت ساعة حائط، بين باب مفتوح على غرفة جلوس دافئة وباب آخر مفتوح على سقالة خشبية فوق الغيوم.
FIG. 01 · 2560×1440 · PNG
  1. مَن يؤجّل لا يؤجّل فعلًا — هو يستبدل زمنًا يملكه بزمنٍ يتخيّله. والتخيّل هنا ليس حلمًا بل عقدًا مع طرف غائب: غدٌ لم يوقّع على شيء. المفارقة أن التأجيل يبدو فعلًا مؤقتًا، لكنه الحالة الوحيدة التي تتجدّد من تلقاء ذاتها دون قرار. كل «لاحقًا» تُنتج «لاحقًا» تليها، والسلسلة لا تنقطع بالإرادة بل بالحادث — بمرضٍ أو خسارةٍ أو موت. التأجيل ليس تأخيرًا. التأجيل هو الشكل اليومي لرفض الوجود دون أن يبدو رفضًا.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 1 / 15
  2. الأشياءُ التي نؤجّلها ليست مؤجّلة بالصدفة؛ بل مختارةٌ بعنايةٍ غير واعية. نؤجّل ما نخاف منه أكثر ممّا نرغب فيه، ونقول لأنفسنا إنّنا سننجزه لاحقًا، ونحن نعرف في قرارةٍ ما أن اللاحق لن يأتي. التأجيلُ ليس كسلًا؛ هو قرارٌ مُقنَّعٌ بعدم المواجهة، يرتدي قناع الوقت.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 2 / 15
  3. نعامل الحاضر كممرّ لا كغرفة. نمشي فيه مسرعين نحو شيء نسمّيه «لاحقًا»، كأن اللاحق مكان أفضل إضاءةً. لكن مَن وصل إلى «لاحقًا» اكتشف أنه ممرّ آخر، بإضاءة مختلفة فقط. المشكلة ليست أننا لا نعيش الحاضر — هذه عبارة مستهلكة — بل أننا نعامله كثمنٍ ندفعه لشيء لا يملك فاتورة محددة. كل يوم نقتطعه من الآن نودعه في حسابٍ لا نعرف رقمه، لدى بنكٍ لا نعرف عنوانه. ومع ذلك نثق أن الأرباح قادمة — لأن البديل هو الاعتراف بأننا أنفقنا دون أن نشتري شيئًا.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 3 / 15
  4. اللحظة الراهنة ثقيلة لا لأنها سيئة، بل لأنها الوحيدة التي لا تقبل التأويل. الماضي قابل لإعادة الصياغة، والمستقبل قابل للتخيّل، أما الآن فلا مفرّ من كثافته. كل أشكال الترفيه والانشغال والهروب ليست بحثًا عن المتعة بقدر ما هي تخفيفٌ لكثافةٍ لم نُصمَّم لتحمّلها طويلًا. الحضور الكامل ليس راحةً — هو مواجهة. مَن يهرب من اللحظة لا يهرب من ألمها، بل من حقيقتها.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 4 / 15
  5. التخطيط يتنكّر في هيئة السيطرة، لكنه في بنيته اعتراف بأن الحاضر لا يُطاق دون وعدٍ بمستقبل مرتّب. لا يخطّط إلا من يشعر بأن اللحظة الراهنة ناقصة، وأن ما هو آتٍ يحتاج تدخّلًا وقائيًا. غير أن كل خطة تحمل في طيّاتها ما يناقضها: هي محاولة لإلغاء المفاجأة، والمفاجأة ليست طارئًا على الزمن — بل جوهره. التخطيط محاولة لإقناع المستقبل بأنه ماضٍ لم يقع بعد.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 5 / 15
  6. نستعد للمستقبل كمن يتمرّن على مسرحية لن تُعرض أبدًا بنفس النص. كل سيناريو نتخيّله نجهّز له ردًا — ثم يأتي الواقع بسيناريو لم يكن في القائمة. الاستعداد ليس ضد المفاجأة — بل هو الشكل المُهذّب للقلق. مَن يقول «أنا مستعد لأي شيء» يقول في الحقيقة «أنا أخاف من كل شيء بالتساوي». الاستعداد الحقيقي — لو وُجد — لن يكون تجميعًا للأدوات، بل قبولًا بأنك ستقف أمام ما لم تتوقعه بيديك الفارغتين وبرودة صباحٍ لم تلبس له ما يكفي.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 6 / 15
  7. نُضحّي بمن نحن الآن من أجل من سنكون غدًا، دون أن نسأل إن كانت تلك الذات القادمة ستعترف بالدَّين. «أنا المستقبليّ» كائن افتراضيّ نمنحه صلاحيّة مطلقة على حاضرنا، ونفترض أنّه يستحقّ ما لا نمنحه لأنفسنا الآن. التضحية هنا ليست إيثارًا بل مقامرة: نراهن بلحظة يقينيّة على لحظة محتملة. الذات التي نُضحّي من أجلها قد لا تأتي، وإن أتت فقد لا تكون ممتنّة.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 7 / 15
  8. الخوف يقول: انتظر. الطمع يقول: ليس بعد. وبينهما يمضي الوقت، لا مع هذا ولا ذاك، بل وحده — غير معنيّ بمن يتردّد.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 8 / 15
  9. يُقال إن الأمل يُبقينا أحياء. لكنه أحيانًا يُبقينا غائبين: نعيش في المستقبل كمن يسكن غرفةً لم تُبنَ بعد، نتخيّل ضوءها وملمس جدرانها ورائحة هوائها، بينما نجلس في العتمة الآن. الأمل نهرٌ جميل يجري دائمًا بعيدًا عن المكان الذي تقف فيه. وأكثر الناس تفاؤلًا هم أكثرهم غيابًا عن حياتهم.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 9 / 15
  10. يبدو الأمل فضيلةً بلا ثمن. لكنّه في بعض صوره أخطر أدوات التأجيل — يجعلك تحتمل السقف المتصدّع والرطوبة التي تأكل الجدران وصوت التنقيط الليلي، لأنّ غدًا قد يكون مختلفًا. كمن يقف في غرفةٍ تمتلئ بالدخان وينظر من النافذة بدل أن يبحث عن الباب. الأمل المفرط لا يخلّصك من الألم، بل يمنحك مخدّرًا كافيًا لتبقى في مكانك. أحيانًا، أقسى ما يفعله الأمل أنّه يُقنعك بأنّ البقاء شجاعة.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 10 / 15
  11. الأمل ليس شعورًا — إنه فعل إرادة. أن تستيقظ كل يوم رغم أنك لا تعرف لماذا. أن تستمر رغم أن لا شيء يعدك بأن الغد سيكون أفضل. الأمل ليس ثقة بأن الأمور ستتحسن. الأمل هو أن تواصل المشي في الظلام لأنك ترفض أن تجلس.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 11 / 15
  12. الانتظار ليس فراغًا بين حدثين — بل هو حدث كامل يرفض أن يُعترف به. نعامل الانتظار كمسافة يجب قطعها بأقصى سرعة، كأنه خطأ في تصميم الزمن. لكن مَن يراقب نفسه وهو ينتظر سيجد أنه لا ينتظر الشيء ذاته — بل ينتظر انتهاء حالة الانتظار. المنتظَر حين يصل يخيّب، لا لأنه أقل مما توقعت، بل لأنك تكيّفت مع غيابه حتى صار الغياب أكثر ألفة من حضوره. ذلك الصوت الذي تسمعه حين تنظر إلى هاتفك الصامت — ليس صمتًا، بل ضجيج كل الرسائل التي لم تصل وهي تتراكم فوق بعضها.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 12 / 15
  13. نقول إننا ننتظر شخصًا، لكن الانتظار في جوهره لا يتّجه إلى أحد؛ إنه حالةُ الجسد حين يتعلّق بزمنٍ لم يصل بعد. الذي ينتظر لا يعيش في الحاضر ولا في المستقبل، بل في شقٍّ ضيّقٍ بينهما، حيث تتآكل اللحظة من حافتيها معًا. ولهذا يخرج المنتظرُ من انتظاره منهكًا حتى لو لم يأتِ أحد؛ لأن الزمن، لا الغياب، هو الذي استنزفه.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 13 / 15
  14. ننتظر شيئًا لا نستطيع تسميته. نجلس في محطاتٍ لقطاراتٍ لا نعرف وجهتها، نحمل حقائب فيها ما قد نحتاجه وما لن نحتاجه، ننظر إلى الساعة كأنها تملك إجابة. الانتظار ليس فراغًا بين حدثين — الانتظار هو الحدث نفسه، ممتدًا، له ملمس اللزوجة، يمطّ الثواني حتى تصير أطول من طاقتها.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 14 / 15
  15. الموت لا يُخيف لأنه نهاية — يُخيف لأنه يكشف أن كل تأجيلٍ كان رهانًا على زمنٍ لم يكن مضمونًا. مَن يؤجّل يفترض ضمنيًا أنه سيبقى، وهذا الافتراض لا يستند إلى شيء سوى العادة: عادة الاستيقاظ كل صباح. الموت لا يسلب الحياة — يسلب الافتراض الذي قامت عليه كل خططها. ولهذا فإن الخوف الحقيقي ليس من التوقّف، بل من اكتشاف أن كل شيء كان مبنيًا على وعد لم يقطعه أحد. الموت لا ينهي الزمن — يكشف أنه لم يكن ملكك قطّ.

    من مجموعة «غدٌ لم يوقّع» · 15 / 15
انتهى النصّ · نُشر 2025-11-09 · آخر تحرير 2026-09-15
سلطانكاتب ومطوّر

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.

الرسالة

NEWSLETTER

حين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.

بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.