تجاوز إلى المحتوى
~/articlesعطب في نظام البقاء
READ 0%6 MIN LEFTWORDS 909
FILE 030 / 118 · عطب-في-نظام-البقاء.md

§ مقالات

عطب في نظام البقاء

محاولة لفهم العقل حين يخاف وحين يهاجم نفسه

عطب-في-نظام-البقاء.mdFILE 030 / 118
النوعمقالات
التاريخ
القراءة6 دقائق · 909 كلمة
الإصدارحُرّر 2026-09-15
○ لم يُحفظ · 0%
لوحة داكنة لرجلٍ من الخلف جالسًا أمام مكتب، يده على الفأرة أمام شاشة حاسوب مطفأة تعكس ملامح وجهه بخفوت في العتمة.
FIG. 01 · 1536×1024 · PNG

«النظام لم يعد معطلًا، لقد أصبح هو العطل ذاته»


شاشة الحاسوب تومض قبل أن تنطفئ. ليس عطلًا — مجرد انقطاع عابر في التيار. لكنني أبقى ممسكًا بالفأرة، أنتظر عودة الصورة، وفي تلك الثواني القليلة التي صارت فيها الشاشة مرآة سوداء، رأيت وجهي معلقًا في العتمة. ملامح بلا تفاصيل. شكل يشبهني، لكنه لا يتحرك.

هذا ما يعرفه العقل عن الموت: توقّف. انقطاع. شاشة تنطفئ. يستطيع أن يفهم التوقف لأنه يختبره كل ليلة في النوم العميق، في تلك الفجوات السوداء بين الأحلام حيث لا زمن ولا مكان ولا «أنا» تراقب. يفهمه في غفوة التخدير، في الإغماء، في اللحظة التي تسبق الاستيقاظ حين لا تكون قد عدت بعد إلى جسدك.

لكن «ما بعد» — تلك الكلمة التي نلصقها بالموت كذيل — العقل يتوقف أمامها كمن يصل إلى جدار. ليس جدارًا يمنعه من العبور، بل جدارًا لا يوجد خلفه شيء يمكن تخيّله. لا ظلام ولا نور. لا فراغ ولا امتلاء. لا زمن يمر ولا زمن يتوقف. اللغة نفسها تتعثر هنا، لأن كل كلمة نملكها صُنعت من مادة التجربة، والتجربة تنتهي عند ذلك الحد.

أحاول أحيانًا — في تلك الساعات التي يصير فيها السقف شاشة عرض للأفكار التي لا تريد أن تنام — أن أتخيل عدم وجودي. لكنني أفشل دائمًا، لأن كل محاولة للتخيل تفترض وجود «أنا» يتخيّل. حتى حين أتصور العالم يستمر بدوني، أكون أنا الشبح الذي يراقب من زاوية ما. العقل لا يستطيع أن يمحو نفسه من المشهد. هذا ليس غرورًا — هذا عجز بنيوي. كمن يُطلب منه أن يرى ظهره دون مرآة.

ربما لهذا اخترعنا كل تلك القصص عن «ما بعد»: جنات وجحيم وعوالم أخرى، تناسخ وأرواح تحوم. العقل يكره الفراغ أكثر مما يكره الخطأ — يفضّل أن يملأ الفجوة بأي شيء على أن يتركها ثقبًا أسود يبتلع كل محاولات الفهم.

لكنني لا أتحدث هنا عن الإيمان أو الإلحاد. لا أتحدث عن الحقيقة الموضوعية لما يحدث بعد التوقف؛ أتحدث عن شيء أبسط وأصعب: عجز الآلة عن معالجة ملف لم يُخلق لقراءته.

العقل البشري نظام تشغيل صُمم للبقاء، للتنبؤ بالخطر، للتخطيط للغد. لم يُصمم ليستوعب نهايته الخاصة. هذا ليس خللًا — هذا شرط وجوده. لو استطاع أن يتمثّل عدمه فعلًا، لو شعر به كما يشعر بالجوع أو البرد، لتجمّد. لصار كل فعل عبثيًا قبل أن يبدأ. لماذا تأكل إن كنت ستتوقف؟ لماذا تبني إن كان كل شيء سينهار؟

هذا العجز المعرفي، هذا التعليق الدائم أمام سؤال الموت، هو ما يسمح لنا بالحركة. نحن نعيش في ظل الجدار، لا خلفه. نعرف أنه موجود، نلمحه من طرف العين، لكننا لا نحدّق فيه طويلًا لأن التحديق يصيب بالدوار. والدوار يُسقط.


ثم هناك شيء آخر. شيء أقرب وأكثر إلحاحًا من الموت البعيد.

العقل الذي صُمم ليحمينا، يمكن أن ينقلب على نفسه. التفكير — تلك الأداة التي تفرز الخطر من الأمان، تخطط وتتذكر وتحلّ — يمكن أن يصير هو الخطر. ليس لأنه يفكر في أشياء مؤلمة، بل لأنه لا يتوقف عن التفكير. حلقة لا تنتهي. سؤال يولّد سؤالًا. قلق يتغذى على نفسه حتى يكبر ويملأ كل المساحة المتاحة.

تخيّل نظام تشغيل اكتشف خللًا في أحد ملفاته، فبدأ يحاول إصلاحه. لكن الإصلاح يستهلك موارد، والموارد المستهلكة تُبطئ النظام، والبطء يُنتج أخطاء جديدة، والأخطاء الجديدة تستدعي المزيد من محاولات الإصلاح. دورة تتسارع. الآلة تسخن. المروحة تعلو. والملف الأصلي لم يُصلح بعد.

هذا ما يحدث حين يصير التفكير عبئًا. حين تستيقظ والضجيج الداخلي أعلى من أي صوت خارجي. حين تحاول أن تحل المشكلة بنفس الأداة التي صارت هي المشكلة. العقل يحاول أن يفكر في طريقة للخروج من التفكير — وهذا تناقض لا يُحل من الداخل.

في تلك اللحظات، ما يريده الشخص ليس الموت. ليس ذلك الجدار البعيد الذي لا يستطيع تخيله أصلًا. ما يريده أبسط وأصعب: أن يتوقف الصوت. أن تنطفئ الشاشة الداخلية — ولو لساعة، لدقيقة، لنفَس واحد لا يحمل فيه رأسه كل هذا الثقل. الرغبة في الصمت، لا في الفناء. الرغبة في أن يستريح من نفسه، لا أن يختفي من الوجود.

لكن اللغة تخوننا هنا أيضًا. حين يقول أحدهم «لا أريد أن أكون موجودًا»، نسمع شيئًا مختلفًا عما يعنيه. نسمع رغبة في النهاية، بينما ما يقوله ربما هو: «لا أريد أن أكون موجودًا بهذه الطريقة. لا أريد أن يكون رأسي غرفة مغلقة بلا نوافذ.» الفرق شاسع، لكنه يختفي في ضيق الكلمات.


والنظام الذي فقد قدرته على إصلاح نفسه — ماذا يحتاج؟

لا يحتاج أن يفكر أكثر. لا يحتاج نصائح جديدة يحاول تطبيقها بعقل مثقل أصلًا. يحتاج شيئًا من خارجه. قطعة غيار. يد تمتد من خارج الآلة لتضغط زر إعادة التشغيل. أحيانًا هذه اليد صديق يجلس بجانبك دون أن يطلب منك أن تشرح. أحيانًا هي دواء يعيد لكيمياء الدماغ بعض توازنها. أحيانًا هي مختص يعرف أن المطلوب الآن ليس الفهم — بل تخفيف الحمولة حتى يستطيع النظام أن يتنفس من جديد.

التفكير في هذه اللحظات ليس واجبًا يُطلب من صاحبه. هو واجب يُرفع عنه. كما لا تطلب من شخص مكسور الساق أن يمشي ليصل إلى المستشفى — تحمله. تذهب إليه. تكون أنت الخارج الذي يفتقده الداخل.


الشاشة عادت. صورة سطح المكتب بكل أيقوناتها المألوفة. الملفات التي لم أفتحها منذ أسابيع، الاختصارات التي لم أعد أستخدمها، خلفية اخترتها في يوم نسيت مزاجه. يدي لا تزال على الفأرة. أحرّك السهم ببطء، من زاوية إلى زاوية، كمن يتأكد أن شيئًا ما لا يزال يستجيب.

لكن ذلك الانعكاس — وجهي في الشاشة المظلمة — لم يختفِ تمامًا. يسكن الآن في طبقة تحت الصورة. حاضر حتى حين لا أراه. معلّق في مكان لا أستطيع الوصول إليه ولا تجاهله.

ربما هذا هو كل ما نملكه: أن نعيش في المساحة بين الومض والانطفاء، لا نعرف متى يأتي التالي، ولا نستطيع أن نتخيل ما بعده. وربما هذا يكفي — أو لا يكفي — لكنه كل ما هو متاح.

السهم يرتجف قليلًا على الشاشة. أترك يدي مكانها. لا أصلح شيئًا. أكتفي بأن أرى أن الحركة ما زالت ممكنة.

انتهى النصّ · نُشر 2025-12-31 · آخر تحرير 2026-09-15
سلطانكاتب ومطوّر

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.

الرسالة

NEWSLETTER

حين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.

بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.