شيءٌ ما لا يستقيم
الساعة الحادية عشرة وسبعٌ وأربعون دقيقة.
أنتَ في السرير. الغرفة مظلمة، والضوء الوحيد فيها يخرج من الهاتف ويسقط على وجهك من تحت، كأنك طفلٌ يُخبّئ مصباحًا تحت اللحاف. إصبعك يصعد على الزجاج ويهبط. أنت لا تقرأ في الحقيقة؛ أنت تُمرِّر. خبرٌ، صورة، خبر، إعلان، خبر. عيناك نصف مغمضتين، ونصفُك الآخر نام قبلك بدقائق.
ثم يمرّ خبرٌ صغير. لا شيء فيه. سطران، ربما ثلاثة. تقرؤه نصف قراءة، كما قرأت كل شيء قبله الليلة، ثم تُكمل التمرير. لا يتوقف القلب، ولا يرتفع حاجب. تضع الهاتف على وجهه إلى جوار الوسادة، وتنام.
هذا كل ما حدث. تذكّر هذا جيدًا: لم يحدث شيء.
في الصباح، لسببٍ لا تعرفه تمامًا، يعود الخبر إليك. ربما أردتَ أن تُريه أحدًا. ربما خطر لك أن تُعلّق عليه بكلمة. الدافع تافهٌ إلى الحدّ الذي لن تتذكره معه بعد ساعة. تفتح الهاتف، تبحث عن الخبر... فلا تجده. الرابط ميت. صفحةٌ بيضاء وكلمةٌ باردة في منتصفها: غير موجود. تحاول ثانية. تكتب كلماتٍ تذكرها منه. لا شيء. ثالثةً، بصياغةٍ أخرى. لا شيء.
عقلك يُسارع إلى الإجابة، وهي إجابةٌ سليمة: حُذف. تُحذف الأخبار كل يوم. تصحيحٌ تحريري، خطأٌ في النشر، تحديثٌ روتيني. يحدث آلاف المرات في اليوم الواحد. تهمّ بأن تضع الهاتف وتمضي إلى قهوتك. ستقول الآن: هكذا تبدأ نظريات المؤامرة. حسنًا. سأذكر العبارة مرة، ثم سنتركها على الطاولة ولا نعود إليها. لأنها — صدّقني — ليست هذا الموضوع. العبارة تتحدث دائمًا عن أحدٍ آخر، عن أناسٍ هناك، في الجهة الأخرى من العقل. ونحن لسنا في الجهة الأخرى. نحن هنا. في رأسك. في هذه الصفحة البيضاء وكلمتها الباردة.
فدعنا من العبارة، وعُد إلى ما يحدث في صدرك أنت. لأنك لم تمضِ إلى قهوتك.
الانتباه لم يمشِ. عاد إلى الصفحة البيضاء كما تعود اليد إلى موضعٍ في الجدار ظنّته أملس فوجدت فيه نتوءًا. وهناك، خلف عظمة الصدر تمامًا، في ذلك المكان الذي لا اسم له والذي تعرفه جيدًا — يجلس شيءٌ صغير. ليس خوفًا. ليس فكرة. مجرد ثِقَل بحجم حبّة. علامة استفهامٍ بلا سؤال بعد.
شيءٌ ما لا يستقيم.
والغريب أنك تعرف أن هذا سخيف. اليومَ نفسَه نسيتَ أشياءَ أكبر منه بمئة مرة. نسيتَ موعدًا. نسيت اسمًا. مرّ بك في الأخبار موتٌ وحربٌ وانهيارُ عملةٍ في بلدٍ ما، وكلها عبرتْ فيك ومضت بلا أثر. خبرٌ سيّئٌ، بإجابةٍ كاملة، يُهضَم في ثوانٍ ويُنسى. أما هذا — سطران تافهان، لا يعنيانك في شيء، اختفيا — فهذا يَعلق.
لماذا؟ ما الذي يجعل سؤالًا صغيرًا بلا إجابةٍ أثقلَ من كارثةٍ بإجابةٍ كاملة؟
الدرجة الناقصة
في الليلة التالية، حين تُطفئ النور وتُسلِّم رأسك للوسادة، يكون السؤال هناك بانتظارك. تكتشف أنه لم يَنَم. كان جالسًا في الظلام طَوال النهار ينتظر أن تخلو الغرفة من الضوضاء لِيتقدّم. وأول ما يفعله أنه يسحب انتباهك إليه — بلا استئذان، بلا قرارٍ منك.
تعرف هذه الحركة. إنها حركة اللسان حين تنكسر سنّ. لا تقرّر أن تذهب باللسان إلى الفجوة؛ هو يذهب. مرةً، ومرةً، ومرة. لا فائدة. لن يُرجِع الذهابُ السنَّ، ولن يُصلح شيئًا. ومع ذلك يعود اللسان، ويعود، يتحسّس الحافة الحادّة والفراغ خلفها، كأنه يتأكد في كل مرة أن الفجوة ما زالت فجوة. عقلك الآن لسان، والسؤال سنٌّ مكسورة، والذهاب لا يتوقف.
تقول لنفسك: تافه. نَم. ينجح الأمر دقيقةً. ثم تجد نفسك عُدتَ. تُعطي الأمر ثانية، بحزمٍ أكبر. ينجح أقل. وتلاحظ — وهذه أول صدمةٍ صغيرة في هذه الرحلة — أن أوامرك لا تُطاع. أنت تظن أنك صاحب هذا الرأس، فإذا به لا يأبه بك حين تأمره أن يكُفّ. مَن يُمسك بزمام الانتباه إذن، إن لم تكن أنت؟
تتقلّب. وفي تقلّبك يأتيك شعورٌ قديم، شعورٌ تعرفه من حياتك لا من هذا الخبر السخيف.
تعرفه من كلمة «تمّت القراءة» تحت رسالةٍ أرسلتَها، ثم صمت. لا ثلاث نقاطٍ تتراقص، لا رد. قُرئتْ. وانتهى. والفراغ الذي بعدها لا يُحتمل.
تعرفه من نظرةٍ نظرها إليك زميلٌ في الاجتماع، نظرةٌ سريعة، لها معنى — لكنك لا تعرف المعنى، فظللتَ تُديرها في رأسك أسبوعًا.
تعرفه من قرارٍ نزل عليك من فوق بلا تعليل: تقرر كذا. لماذا؟ لا أحد قال. وأنتَ لم تكفّ عن السؤال. كلها فجواتٌ صغيرة. درجاتٌ ناقصة. والخبر الميت ليس إلا أحدثها.
ثم تأتي الهزّة. تخيّل أنك تنزل، في الظلام، سلّمَ بيتٍ سكنتَه سنوات. قدمك تعرف هذا السلّم. تنزل بلا نظر، واثقًا، لأن الأرض تحتك مفهومة. درجة، درجة، درجة — ثم تمدّ القدم إلى الدرجة التالية...
فلا تجدها.
تلك المِلّيثانية. ذلك السقوط الذي لم يحدث، لكن جسدك عاشه كاملًا: ارتجاجٌ في المعدة، انقباضٌ في كل عضلة دفعةً واحدة، قلبٌ يقفز إلى الحلق. لم تسقط. الدرجة كانت موجودة. لكن الجسد، في تلك اللحظة، عاش السقوط من أوله إلى آخره. هذا بالضبط ما تفعله الفجوة.
العالم الذي كنت تمشي عليه واثقًا — العالم الذي تَفهمه، الذي تتنبّأ به، الذي لا يفاجئك — فقد درجةً واحدة. درجةً تافهة، في زاويةٍ منسية، لا قيمة لها. لكن الجسد لا يحسب القيمة. الجسد يعرف فقط أن الأرض المضمونة لم تَعُد مضمونة. وهو يعرف ذلك قبل أن يعرفه العقل بكثير.
وهنا يتّضح شيءٌ لم يكن واضحًا: أنت لا تطلب الحقيقة. أنت تطلب أرضًا صُلبة.
الفهم، تكتشف الآن، ليس ترفًا معرفيًا ولا فضولًا تُشبعه إن تفرّغت. الفهم هو الأرض التي تقف عليها كي لا تسقط. والجهل ليس نقطة الصفر؛ ليس حيادًا، ليس انتظارًا هادئًا للجواب. الجهل سالب. إنه أرضٌ ناقصةُ الدرجات، والجسد لا ينام فوق أرضٍ ناقصة.
جرّب — وأنت مستلقٍ الآن في ظلامك — أن تسكن في «لا أعرف». لا أن تمرّ بها، بل أن تتخذها بيتًا. أن تقول: حسنًا، لن أعرف، وسأبقى هنا، في الفجوة، بلا حلّ. كم تحتمل؟ كن صادقًا. لحظاتٍ معدودة. ثم يبدأ شيءٌ في رأسك يتململ، يبحث، يقلب الجيوب. لأن العقل لا يكره الإجابة الخاطئة بقدر ما يكره اللاإجابة. أعطِه جوابًا سخيفًا يرتاح؛ اترُكه بلا جوابٍ يُجَنّ.
وراقب جسدك في تلك الدقائق. لا يهدأ. تُقلِّب الوسادة بحثًا عن وجهها البارد، تمدّ ساقًا وتسحب أخرى، تستلقي على جنبك ثم على ظهرك ثم على جنبك الآخر. كأن في الفراش حصاةً لا تجدها. وليست في الفراش؛ هي في رأسك. الجسد يبحث عن وضعيةٍ مريحةٍ لسؤالٍ لا وضعية مريحة له. ولن يهدأ هذا التقلّب حتى يهدأ ما تحته. لأن الأرض الناقصة لا يُنام عليها — لا في السرير، ولا في الرأس. شيءٌ فيك مستنفَر، يقف على أطراف أصابعه في الظلام، يحرس فجوةً لا يعرف كيف يسدّها، ولا يأذن لك بالنوم وهي مفتوحة.
إذن، الفراغ سيُملأ. هذا صار مؤكدًا الآن، تشعر به في عظامك. الأرض الناقصة ستُرمَّم، بأي ثمن. لكن بماذا تُرمَّم؟ من أين يأتي العقل بالحجارة؟
خطوطٌ بين النجوم
الواحدة فجرًا. كنتَ ستنام. لكنك فتحتَ الحاسوب «لتتأكد من شيءٍ واحدٍ فقط». لاحِظ هذه الكذبة الصغيرة. شيء واحد فقط. أنت تعرف، في مكانٍ ما، أنها ليست شيئًا واحدًا. لكنك تصدّقها، لأنها تمنحك الإذن بالبدء. وبعد قليل لن تتذكر أنك بدأت بكذبة.
تكتب، تبحث، وتنتظر. ثم تتذكر شيئًا. خبرٌ قديم، قرأتَه قبل أشهر، يشبه هذا. لا، لا يشبهه تمامًا، لكن فيه... رائحةً ما. تتباطأ هنا للحظة، لو كنتَ تنتبه: مَن أحضر هذا الخبر القديم الآن؟ لم تطلبه. لم تكن تبحث عنه. جاء وحده، صعد من قاع الذاكرة بلا نداء. ولماذا جاء هو تحديدًا، من بين عشرة آلاف خبرٍ مدفونٍ هناك؟ جاء لأن شكله يشبه شكل الفجوة. الفجوة فمٌ مفتوح، والعقل يبحث في كل ما يملك عمّا يسدّه.
تعقد الخيط الأول. الخبر الميت، والخبر القديم. بينهما خط. وفي اللحظة التي يُعقد فيها الخيط، تشعر به: حرارةٌ صغيرة، خلف عظمة الصدر، في المكان نفسه الذي كان فيه الثِّقَل. لكنها ليست ثِقَلًا الآن. إنها شِبه فوز. شِبه حلٍّ لِلغزٍ صغير. لا تُسمّي ما يحدث — أنت فقط تستمتع به. ولا تعرف أن هذه الحرارة الصغيرة هي المسمار الأول في كل ما سيأتي. لأن العقل، حين يُكافأ، يعود ليُكافأ ثانية.
تبويبٌ يفتح تبويبًا. الواحدة تصير الثانية. الثانية تصير الثالثة. لا تشعر بالوقت يمرّ لأنك لست هنا تمامًا؛ أنت في حالة صيد. يقظةٌ غريبة، نشوةٌ خفيفة، وبؤرةٌ تضيق وتضيق حتى لا يبقى في العالم إلا أنت والشاشة والخيوط.
وجسدك يعرف هذه الحالة قبل أن تسمّيها. ظهرك مال إلى الأمام دون أن تأمره، اقترب من الضوء شبرًا، ثم شبرًا. كتفاك ارتفعتا نحو أذنيك. فكّك مُطبَق قليلًا. عيناك تجفّان لأنك نسيتَ أن ترمش — تقرأ، تقفز، تفتح، تُغلق، أسرع، أسرع، والجملة لا تُكمَل حتى تقفز العين إلى التي تليها. لا تشرب الماء الذي إلى جوارك. لا تشعر بظهرٍ يؤلمك. الجوع غاب، والعطش غاب، والوقت غاب. كل دمك صعد إلى مكانٍ واحدٍ خلف عينيك، يطارد. وكل ربطٍ جديد يُفرز تلك الحرارة الصغيرة، فيدفعك إلى التالي، والتالي يدفعك إلى الذي بعده، كأنك تأكل ولا تشبع، بل يزداد جوعك مع كل لقمة.
ثم ترفع عينك مصادفةً إلى زاوية الشاشة. الرقم الذي هناك لا يُصدَّق. ساعتان؟ ثلاث؟ أين ذهبت؟ لم تشعر بواحدةٍ منها. الصيد يأكل الزمن كما تأكل النار الورق: بصمت، وبالكامل، ولا يبقى إلا رماد.
ثم — وأيضًا! عنصرٌ ثالث. تتذكره فجأة، جملةً سمعتها مرة في مقابلةٍ ما، وها هي تتصل بالخيطين. والخبر الميت، الذي كان وحيدًا قبل ساعة، صار له أقارب. عائلةٌ صغيرة تتجمّع حوله. ولاحظ: الربط الثاني كان أسهل من الأول. والثالث أسهل من الثاني. مع كل خيطٍ تنخفض العتبة. صار عقلك يَقبَل الخيوط بسرعةٍ أكبر، يتطلّب دليلًا أقل، لأنه ذاق طعم الوصل وأراد المزيد.
في مكانٍ ما، وأنت تحيك، تمرّ بك معلومة. معلومةٌ تُعكّر الصورة. لا تتّسق مع الخيط. لو دقّقتَ فيها، لانحلّت عقدتان مما عقدتَ.
لكنها تمرّ. لا تَعلق. تنزلق من بين أصابعك كأنها مبلّلة، بينما التفصيلة التافهة التي تؤكد قصتك تلمع وتثبت وتُحفظ. لم تقرّر أن تتجاهل المُعكِّرة. لم تكذب على نفسك. هي فقط... لم تَلصَق. عقلك له يدان: واحدةٌ تجمع، وأخرى لا تُمسك. وهو لا يخبرك أيّهما يستعمل ومتى.
وهذا أخبثُ ما في الأمر: أنك لا تشعر بأنك تنتقي. الانتقاء يحدث قبل الشعور، في طبقةٍ تحت وعيك، فلا يصلك منه إلا النتيجة نظيفةً: هذه «مهمة» وتلك «هامشية»، هذه «دليل» وتلك «شاذّة». كأن أحدًا فرز البريد قبل أن يصلك، فأبقى ما يسرّك وألقى ما يزعجك في السلّة، ثم سلّمك الرزمة وقال: هذا كل ما وصل. وأنت تصدّق أن هذا كل ما وصل. تظنّ أنك تنظر إلى الواقع كله، وأنت تنظر إلى ما سمح لك ساعٍ خفيٌّ بداخلك أن تراه. الواقعة المعاكسة لم تُنكَر — أنكى من ذلك: لم تُرَ أصلًا.
ثم تطرح كلمة «صدفة» على نفسك. كاحتمال. كأن تقول: ربما كل هذا محض مصادفة. وتلاحظ شيئًا في النبرة. مجرد صدفة. كأنها استخفافٌ بك. كأن مَن يقولها يَحسبك ساذجًا، لا ترى ما هو واضح. الصدفة إهانةٌ لذكائك.
لماذا؟ لماذا تؤلمك كلمةٌ بريئة كهذه؟ لأن قبول الصدفة يعني قبول العشوائية. يعني أن الأشياء تقع بلا سبب، بلا ترتيب، بلا يدٍ تُحرّكها. والعشوائية ليست إلا الفراغَ نفسَه وقد لبس ثوبًا جديدًا. الدرجةَ الناقصةَ ذاتَها. رفضُك للصدفة ليس قرارًا منطقيًا — إنه دفاعٌ عن النفس. أنت لا ترفض الصدفة لأنها غير صحيحة؛ ترفضها لأنها تؤلم.
ارفع رأسك لحظة وانظر إلى ما تفعله. أمامك نجوم. نقاطٌ متفرقة في سواد. والنجوم حقيقية — لم تخترعها، إنها هناك فعلًا، كلٌّ في مكانه. لكن الخطوط التي بينها، الأسد والميزان والعقرب، الصور والأشكال والقصص — تلك أنتَ من رسمها. السماء لا تحتوي خطوطًا. السماء سوادٌ ونقاط. الخطوط في عينك.
أنت ترسم الآن. ولثانيةٍ واحدة، ثانيةٍ صغيرة، تعرف أنك ترسم. ثم تنسى أنك عرفت. تذكّر هذه الثانية المنسية. سنعود إليها بعد وقتٍ طويل.
ومن غير أن تنتبه، تغيّر سؤالُك صيغتَه. بدأتَ تسأل: ماذا حدث؟ صرتَ الآن تبحث عن: ما الذي يُثبت أنّ...؟ الفرق دقيق، لكنه كل شيء. في الأول كنتَ تسأل، عقلُك مفتوح، الجواب مجهول. في الثاني صار لك جوابٌ سلفًا، وأنت تبحث له عن خدم. لم تَعُد تبحث؛ صرتَ تجمع.
يلمع قلقٌ صغير حين تلاحظ هذا. ثم تُطفئه بسرعة. لأن الخيوط كثرت، والخيوط الكثيرة جميلة، لكنها فوضى أيضًا. حفنة خيوطٍ متشابكة. والعقل لا يحتمل الفوضى مرتين. ماذا يفعل بحفنة خيوط؟
يحيكها.
القصة تطلب مؤلفًا
في الصباح، في الطريق إلى عملك، تكتشف أنك تحكي. لم تقرّر أن تحكي. لا أحد ضغط زر التشغيل. لكن صوتًا في رأسك بدأ يروي القصة، من أولها، كأنه يرويها لصديقٍ يمشي بجانبك. وأنت تسمعه.
تسمعه يرتّب. يختار من أين يبدأ. يقدّم تفصيلةً ويؤخّر أخرى. يحذف ما لا يلزم. يبحث عن الفعل الأقوى ويضع مكان الفعل الضعيف. الخيوط التي كانت متناثرةً البارحة تصطفّ الآن في خطٍّ زمني: أولًا حدث هذا، ثم هذا، ثم هذا.
لكن الزمن وحده لا يُشبع. ثم، ثم، ثم — تتابعٌ بارد، قائمةُ أحداثٍ لا روح فيها. يحتاج عقلك إلى أكثر. يحتاج إلى لذلك. وتنزلق الكلمة. بهدوء، بلا إعلان: حدث هذا، ولذلك حدث ذاك. في تلك النقطة، في انزلاق «ثم» إلى «لذلك»، تكون الفوضى قد مُنحت سببًا. لم تَعُد أحداثًا تتلو أحداثًا؛ صارت أحداثًا تُنتِج أحداثًا. صار للعالم منطق.
ثم ينبثق السؤال. السؤال الذي يقلب كل شيء:
من المستفيد؟
يبدو بريئًا، أليس كذلك؟ يبدو تحليليًا، ذكيًا، كأنه سؤال محقّقٍ بارد. لكن انظر إليه جيدًا: السؤال يفترض، قبل أن يُجيب عن أي شيء، أن ثَمّة مستفيدًا. أن هناك من قصد. أن وراء الحدث إرادةً ونيّة وتدبيرًا. السؤال لا يبحث عن مؤلفٍ للقصة؛ السؤال يفترض المؤلف، ثم يكلّف عقلك بتعيينه.
وعقلك يعيّن. يقول: هم.
من هم؟ لا تعرف. لم تحدّدهم بعد. لكن الغموض هنا لا يزعجك — يريحك. لأن غموض الفاعل أهون ألف مرة من غياب الفاعل. عالمٌ يُديره مجهولون أرحمُ بكثير من عالمٍ لا يُديره أحد. جرّب أن توازن بين الصورتين في صدرك: شريرٌ غامضٌ يحرّك الخيوط من خلف ستار — أو فوضى عمياء، صدفةٌ صمّاء، لا قصد ولا غاية ولا أحد في الغرفة. أيّهما أهدأ على القلب؟
لقد اخترتَ. وانتبه: الاختيار لم يكن معرفيًا. لم تَزِن الأدلة. اخترتَ الشرير لأنه يُؤنِس الوحشة، لأن وجودَ خَصمٍ خيرٌ من غياب المعنى. وها أنت تقول «هم» وأنت لا تعرف من هم، ويلمع في صدرك قلقٌ خفيف، ثم ينطفئ تحت لذّة القصة.
ثم تحكيها كاملةً، لأول مرة، في رأسك، من أولها إلى آخرها. وحين تبلغ آخرها، يأتيك شعورٌ غريب. شعورٌ بالرضا. كأن شيئًا... اكتمل.
توقّف عند هذه الكلمة. اكتمل.
لم يتأكد شيء. لم يصلك دليلٌ جديد بين أمسِ واليوم. لا برهان، لا اعتراف، لا وثيقة. الوقائع هي الوقائع لم تتغيّر. الذي تغيّر أن الشكل التأم. القصة صار لها بدايةٌ ووسطٌ ونهاية، وعقلك يكافئك على الشكل المكتمل بهذا الدفء، تمامًا كما يكافئك على إكمال أغنيةٍ ناقصة أو لوحةٍ مقطوعة. الاكتمال لذّة. وهو لذّةٌ منفصلةٌ تمامًا عن الصدق.
وفي المساء، تحكيها ثانية. بروفةً، كأنك تتمرّن على روايتها لصديقٍ حقيقي. ولاحظ ماذا حدث للقصة منذ صباحًا.
صارت أحسن.
تلك التفصيلة المربكة التي كانت تُعطّل السرد — سقطت. لم تحذفها بقرار؛ تساقطت وحدها، كما يتساقط الورق اليابس. الحواف صارت أنعم. البداية صارت أقوى. ثغرةٌ كانت في المنتصف رُمِّمت بعبارةٍ صغيرة: «المنطقي أنّ...» تَستعمل العبارة وتمضي، قبل أن تدقّق فيما إن كان المنطقي كذلك فعلًا، أو أنك فقط تحتاجه أن يكون.
لا أحد كذب. لم تتّخذ قرارًا بالتزوير. القصة فقط... تهذّبت. كما يتهذّب الحصى في النهر، بالاحتكاك والتكرار، تأخذ كلُّ روايةٍ من القصة زاويةً حادّة وتُلقيها. لكن انتبه إلى اتجاه التهذيب: إنه في اتجاهٍ واحدٍ دائمًا. نحو الأنعم، نحو الأجمل، نحو الأكمل — لا نحو الأصدق. النهر لا يصقل الحصاة نحو الحقيقة؛ يصقلها نحو الانسياب.
ولاحظ ما يفعله فمك وهو يرويها هذه المرة. الكلمات تنزلق أيسر. وجدتَ إيقاعها — أين تقف، أين ترفع الصوت، أي تفصيلةٍ تدّخرها للنهاية كي تقع وقعها. صارت لها موسيقى. وللحظةٍ تكاد تنسى أنك تتحدث عن واقعةٍ يُفترض أنها صحيحة أو خاطئة؛ أنت تؤدّي مقطوعةً أتقنتَ عزفها. وفي الفم لذّةٌ خاصة حين تخرج الجملة مصقولةً، مستديرةً، كاملة. تلك اللذّة — لذّةُ الحكي الجميل — لا علاقة لها بصدق ما تحكي. لكن جسدك لا يفرّق. يكافئك على الجمال كما لو كان صدقًا. وكلما رويتَها أحلى، صدّقتَها أكثر — لا لأنها صارت أصحّ، بل لأنها صارت ألذّ.
والآن القصة خفيفة. تحملها بلا جهد. تستطيع أن تهديها لأحدٍ في دقيقة. قارنها بقائمة الوقائع العارية: ثقيلة، باردة، مليئة بالتفاصيل المتناقضة والثغرات والـ«لا نعرف»، لا تُحفظ ولا تُروى ولا يطلبها أحد. القصة دافئة، رشيقة، لها معنى، تُروى على العشاء. ولهذا انتصرت. لأن العقل، قبل أن يكون أداة فهم، أداةُ تخزين. وأنت لا تستطيع أن تخزّن العالم كله بفوضاه؛ فتخزّن عنه قصة. القصة ليست كيف فهمتَ العالم. القصة كيف تمكّنتَ من حمله.
لكن، توقّف ثانية، واسأل نفسك سؤالًا واحدًا: متى وقّعتَ على هذه القصة؟
كانت بالأمس «تفسيرًا محتملًا». صارت اليوم «ما حدث». متى عبرتْ من الأول إلى الثاني؟ في أي لحظة؟ فتّش في ذاكرتك عن اللحظة التي قرّرتَ فيها أنها صحيحة... لا توجد لحظة. لا قرار في السجل. القرار اتُّخذ، لكن لا أثر له، ولا تاريخ، ولا توقيع.
فمن وقّع؟
صوت المفتاح
يأتيك اليقين في مكانٍ تافه. ليس وأنت جالسٌ تُفكّر، تَزِن، تُحلّل. لا. يأتيك وأنت تصبّ القهوة. يدك على الإبريق، عينك على الفنجان، وعقلك في مكانٍ آخر تمامًا — وفجأة، هناك، بين الإبريق والفنجان، يستقرّ كل شيء في مكانه.
كأن مفتاحًا دار في قفل. صوتٌ واحد، خفيف، نهائي: كليك.
وكتفاك — هل لاحظت؟ — كتفاك ارتختا. كنتَ تحملهما مرتفعتين أيامًا دون أن تدري. نفَسٌ أعمق ينزل إلى أسفل الصدر. شيءٌ كان مشدودًا منذ تلك الليلة، منذ الساعة الحادية عشرة، استرخى أخيرًا. «كل شيء منطقيٌّ الآن.» تجرّب الجملة، فتجدها صحيحة الملمس، مريحةً في الفم كحصاةٍ ملساء.
اللسان يبحث عن السنّ المكسورة... فيجدها مرمَّمة.
الفجوة سُدّت. الدرجة الناقصة عادت إلى مكانها. الأرض صارت صُلبةً تحت قدميك، ويمكنك أخيرًا أن تنزل السلّم في الظلام بلا خوف. هذا ما اشتراه اليقين: راحةَ أن تعرف، نهايةَ ذهاب اللسان، عودةَ الأرض. والثمن — أي ثمن؟ لم تقرأه في العقد بعد.
في الصباح التالي تقرأ الأخبار نفسها التي تقرؤها كل صباح. لكنها اليوم تكلّمك.
كل خبرٍ يلمع بمعنى إضافي. كل تفصيلةٍ تومئ إليك أنت تحديدًا، كأنها تركتْ لك رسالة. العالم الذي كان أصمّ بالأمس، الذي كان مجرد ضجيجٍ عابر، صار اليوم يتكلّم، وكله يتكلّم عن شيءٍ واحد، ويؤكد ما عرفتَه. تمشي والعالم من حولك كله إشارات، وأنت الوحيد الذي يقرؤها.
وثمة خفّةٌ في خطوتك ذلك الصباح. كأن حِملًا لم تكن تعرف أنك تحمله نُزِع عن ظهرك في الليل. الألوان أصفى قليلًا. وجوه الناس في الشارع لم تَعُد كتلةً غامضة؛ صرتَ تقرأ فيها، تعرف من نام ومن استيقظ، من يرى ومن لا يرى. الأشياء الصغيرة — لافتةٌ على جدار، رقمٌ على لوحة سيارة، جملةٌ يقولها مذيعٌ بعَرَض — تنتظم فجأةً في معنى، كأن العالم كان كتابًا مفتوحًا طوال الوقت وأنت فقط لم تكن تعرف لغته، فتعلّمتَها البارحة. وكلُّ ما تقرؤه يقول لك الشيء نفسه. يصدّقك. يربّت على كتفك ويهمس: نعم. أنت محقّ.
هذا الانسجام — أن يتطابق كل ما في الخارج مع ما في الداخل، أن يصير العالم مرآةً تردّ عليك صورتك مكبّرةً ومضيئة — له طعمٌ لا يُنسى. طعمُ أنك في بيتك في الكون أخيرًا. أنك لست غريبًا يتخبّط في الظلام، بل ابنٌ عاد، يعرف كل ممرٍّ وكل باب.
ولا تخجل من قول هذا: إنه شعورٌ جميل. جميلٌ حقًا. اليقين لذيذ. أن ترى نظامًا حيث كان فوضى، أن تفهم حيث كان غموضًا، أن تمسك بخيط المعنى وسط عالمٍ لا معنى له ظاهرًا — هذه من ألذّ ما يَهَب الوجود. لا تصدّق من يحدّثك عن اليقين بازدراء؛ هو لم يذق نشوته، أو نسيها. اليقين نعيم.
ثم تأتي المكافأة الثانية. وهذه لم تكن في العقد أصلًا. أنا أرى ما لا يراه الآخرون.
تكتشف، وأنت تمشي بين الناس صباحًا، أنك أطول قامةً قليلًا. هم يمشون نيامًا، غافلين، يبتلعون ما يُلقى إليهم. وأنت — أنت رأيت. أنت أيقظت عينك. ثمة بهجةٌ سرّية، محرجةٌ قليلًا حين تعترف بها، في أن تكون من القلّة التي تعرف. اليقين لم يحلّ لك مشكلةً واحدة؛ حلّ اثنتين بضربةٍ واحدة. سدّ ألمَ الفجوة، وأطعم جوعًا أقدمَ منها وأعمق: جوعك إلى أن تكون شيئًا، أن تتميّز، أن يكون لك مكانٌ فوق.
ولهذه البهجة طعمٌ في الجسد، لو تتبّعتَه. شيءٌ يتمدّد في الصدر، صدرٌ يرتفع قليلًا. نظرةٌ إلى المارّة من عُلوٍّ خفيّ. تسمع أحدهم يتكلم بثقةٍ عن أمرٍ تعرف أنت ما تحته، فتبتسم في داخلك ابتسامةً لا تظهر على وجهك — ابتسامة العارف. وهي ألذّ من أن تُقاوَم، لأنها تمسّ أقدم جوعٍ فيك: لا أن تفهم العالم فحسب، بل أن تكون، بين كل هؤلاء، الواحدَ الذي فهم.
ولهذا بالضبط — تذكّر هذا — لهذا ستدافع عنه لاحقًا بكل ما تملك. لأنك لن تدافع عن فكرة. ستدافع عن علاجٍ شفاك من ألمين.
والآن، اختبارٌ صغير. اقلب في فمك جملتين:
«أنا أعرف.»
«أنا أشعر أنني أعرف.»
تذوّق الفرق بينهما. من الخارج، الفرق هائل: الأولى عن الحقيقة، الثانية عن إحساسٍ بها. لكن من الداخل، من حيث تجلس أنت الآن، في رأسك — ما الفرق في الطعم؟
لا فرق.
لا توجد علامةٌ داخلية. لا جرسٌ يدقّ ليخبرك أن هذا يقينٌ صائب وذاك يقينٌ مصنوع. اليقين الذي بُني على برهانٍ صلب، واليقين الذي بُني على خيوطٍ رسمتها بنفسك في الظلام — لهما، من الداخل، الطعم نفسُه تمامًا. نفس الكليك، نفس ارتخاء الكتفين، نفس الدفء. عقلك لا يحتفظ بإيصالٍ يميّز ما اشتراه بثمنٍ عمّا التقطه من الأرض.
اقرأ الجملة السابقة مرة أخرى. ببطء. ثم اتركها. لن أشرحها. هي تعمل أحسن في الصمت.
وتأمّل توقيت كل هذا. أقوى يقينيات حياتك — متى جاءتك؟ هل جاءت بعد فحصٍ أطول، بعد أن قلّبتَ المسألة من كل وجوهها؟ أم جاءت بعد تعبٍ أطول، بعد أن أنهكك السؤال فكففتَ عنه؟ اليقين، في أغلب الأحيان، لا يصل حين تجيب عن السؤال. يصل حين تَملّ منه. الكليك ليس صوت الحقيقة وهي تنفتح أمامك. الكليك صوت البابِ وهو يُغلق.
غدًا سيأتيك أحدهم ويقول: أنت مخطئ. سيضع أمامك دليلًا، على الطاولة، واضحًا. ماذا ستفعل به؟ ...أنت تعرف الجواب مسبقًا، أليس كذلك؟
هذا هو المُقلق.
القلعة
ويصل الدليل المعاكس فعلًا. تفصيلةٌ تنقض ركنًا من قصتك. صلبة، واضحة، لا تحتمل اللفّ. تصلك، وقبل أن تفكّر فيها بثانية — جسدك يتحرّك. انقباضٌ في مكانٍ ما، تأهّبٌ، فكّان يُطبقان قليلًا. الدفاع يصل قبل الفكرة. هذا أول ما يُكشف هنا: أنت لم تَسمع الدليل ثم قررتَ أن ترفضه. جسدك تصلّب أولًا، ثم جاء العقل ليجد المبرّر للتصلّب.
ثم يصدر الحكم: مفبرَك. جاهزًا. بسرعةٍ لا تسمح بفحص. لم تقلّب الدليل، لم تَزِن صدقه؛ وصلتْك الكلمة مكتملةً كأن أحدًا وضعها في فمك. وبعد الحكم مباشرةً تأتي راحةٌ صغيرة. وتلك الراحة هي الفضيحة: لو كان عقلك يبحث عن الحقيقة لانزعج من دليلٍ يناقضه. لكنه ارتاح. والارتياح دليلٌ على أن وظيفة الحكم لم تكن أن تَعرف، بل أن تطمئن.
ثم تتعلّم القلعة حيلةً أذكى. تأخذ الدليل المعاكس، وبدل أن ترفضه، تبتلعه وتقلبه: «وهذا بالضبط ما هو متوقَّع منهم.» فإذا الدليل الذي وصل ليهدم القصة قد صار حجرًا جديدًا في جدارها. ما دخل تهديدًا خرج غذاءً. تتذوّق هذا الانقلاب، وفيه لذّةٌ خاصة — لذّة أن قلعتك لا تأكل الطعام فقط، بل تأكل الحجارة التي تُقذف بها.
والأخبث: غياب الدليل صار هو نفسه دليلًا. «وهل يتركون أثرًا؟» فإن وجدتَ ما يؤكد قصتك، فهو تأكيد. وإن لم تجد، فالغياب نفسه برهانٌ على أنهم محوا الأثر. الوجود يُثبت، والعدم يُثبت. لاحظ ماذا يعني هذا، بهدوء: لم يَعُد في الكون كله شيءٌ يمكن أن يحدث فيكسر قصتك. لا واقعة، لا اكتشاف، لا اعتراف، لا شيء.
الدائرة اكتملت.
وأنت، من حيث تجلس، تشعر بهذا قوّةً. صلابةً. قصةٌ لا يهزّها شيء، حصينة، منيعة. تنظر إلى بنائك وتعجَب بمتانته.
وصار لك حصادٌ يومي. تستيقظ، تفتح الشاشة، وتجمع: خبرٌ هنا يؤكد، تفصيلةٌ هناك تُكمل، جملةٌ قالها أحدهم تنطبق تمامًا. كل يومٍ يضيف حجرًا. ولا يومَ يأتي فارغًا — لأنك صرتَ تحصد بالعين التي تُنبت ما تحصده. تجلس مساءً وقد امتلأت يداك، راضيًا، كفلّاحٍ عاد من حقلٍ لا يجدب أبدًا.
وفيه لذّةٌ هندسية. أن ترى البناء من الداخل، كل حجرٍ في موضعه، كل خيطٍ مشدودٌ إلى الذي يليه، لا فراغ، لا تناقض، لا طرفٌ مرتخٍ. تماثلٌ كامل. كأنك حللتَ معادلةً طويلةً فاستقام طرفاها، أو رصصتَ قطعًا متناثرةً فإذا هي صورةٌ واحدةٌ لا تنقصها قطعة. وهذا الكمال نفسه يُسكِرك — جمالُ أن يكون كل شيءٍ متّسقًا، مُحكَمًا، مغلقًا. تدير عينك في أرجاء ما بنيتَ، ولا ترى إلا الإتقان.
لكن انظر من الخارج، للحظة، إن استطعت: قصةٌ لا يكسرها شيءٌ هي قصةٌ لا يُثبتها شيء.
إذا كان كل دليلٍ مؤكِّدًا، وكل ضدِّ دليلٍ مؤكِّدًا، وكل غيابِ دليلٍ مؤكِّدًا — فأنت لم تَعُد تتعامل مع شيءٍ يمكن أن يكون صحيحًا أو خاطئًا. خرجتَ من ميدان الحقيقة كله. الذي بنيتَه ليس قلعةً تحمي معرفة؛ إنه قلعةٌ لا شيء بداخلها إلا جدرانُها. وهذه — لحظة الحصانة الكاملة، اللحظة التي تشعر فيها بأقصى قوّة — هي بالضبط لحظة موت قصتك معرفيًا.
لكن هذا لا يُرى من الداخل. أبدًا. من الداخل، الموت يبدو مناعة.
مقهى. مساءً.
صديقٌ قديم، تعرفه من قبل كل هذا، يجلس قبالتك. يضع هاتفه على الطاولة مقلوبًا — تلك الإيماءة الصغيرة، أنا هنا، أنا أصغي — ويقول بصوتٍ هادئ:
«اسمع... أنا قلق عليك قليلًا.»
وقبل أن يُكمل جملته، تشعر بشيءٍ يتصلّب فيك. الجدار يرتفع قبل أن تعرف ما الذي سيقوله. أنت لا تسمعه؛ أنت تنتظر دورك. أذنك لا تلتقط معناه، تلتقط ثغرات كلامه، تبحث في جُمَله عن المَدخل الذي ستردّ منه. وحين يسكت، تخرج منك إجاباتك جاهزة، مصقولة، وتسمعها كأن غيرك يقولها، كأن ناطقًا رسميًا تسلّم الميكروفون منك.
وهو — لو نظرتَ إلى وجهه بدل أن تنظر إلى ثغرات كلامه — قلِق. قلقٌ حقيقي، من النوع الذي لا يُصطنع. جاء إليك لأنه يحبّك، اختار كلماته بعنايةٍ في الطريق، خاف أن يجرحك. وأنت تردّ على حبّه كأنه هجوم. لكنك لا ترى هذا الآن. كل ما تراه خصمٌ يجب أن يُهزم. الجدار الذي رفعته لا يحجب عنك الخطأ فقط — يحجب عنك الوجه الذي قابلك بالحبّ. ستتذكر هذه الجلسة بعد سنوات بشيءٍ يشبه الغصّة. لكن ليس الآن.
تخرج من المقهى أشدّ اقتناعًا مما دخلت. ادخل في هذه المفارقة العارية: دخلتَ بحجّةٍ واحدة، وخرجتَ بحجّتين. المعارضة نفسها هي التي تبرّعت لك بالثانية. كلما حاول أحدٌ أن يُضعف يقينك، قوّاه. القلعة لا تجوع أمام الحصار؛ تسمن.
وتخرج، وفي رأسك جملةٌ واحدة تقولها بثقةٍ تامّة — عنه، وعن كل من حاول أن يثنيك، وعن كل من نظر إليك بتلك العين القلِقة:
شيءٌ ما لا يستقيم. في كلامهم هم.
هم لا يرون ما أرى. هم — أولئك الناصحون، المرتابون، النيام — واقفون في الجهة المعتمة، يفتحون أعينهم على العتمة ويحسبونها نورًا، والضوء الوحيد في يدي أنا. تقولها فتلتئم في صدرك راحةٌ أعمق من راحة أي دليل، راحةٌ لها طعمٌ لا يُخطئ: لستُ منهم. أنا في النور، وهم في الخارج. وتمشي، وأنت لا تدري أنك للتوّ رفعتَ بينك وبينهم جدارًا لن تستطيع أن تسمع من ورائه شيئًا بعد اليوم.
وفي الطريق، لثانيةٍ واحدة، يلمع سؤالٌ صغير: لماذا فرحتُ بأنه لم يُقنعني؟ لماذا، حين أصغى إليّ صديقٌ يحبّني وحاول أن يصل إليّ، كان شعوري الأول حين فشل... ارتياحًا؟ منذ متى صار انتصاري ألّا أتغيّر؟
ثم ينطفئ السؤال. تطفئه. لكن — انتبه — أنت رأيته. رأيتَ، للحظة، ضوءًا من خارج القلعة. سنحتاج هذا الضوء بعد قليل.
وهنا، الآن، أريد أن أسألك سؤالًا واحدًا مباشرًا. لا تُجب بسرعة. خذ وقتك. ما الشيء الذي لو حدث غدًا، لغيّرتَ رأيك؟ شيءٌ واحد. واقعةٌ واحدة، لو وقعت، لقلتَ: حسنًا، كنتُ مخطئًا.
...
إن كان الجواب «لا شيء» — فالذي تحمله ليس معرفة. المعرفة دائمًا تترك بابًا مفتوحًا للواقع كي يدخل ويُكذّبها. الذي يُغلق كل الأبواب ليس فكرةً.
لكن مهلًا — لماذا يؤلمني الطعن في الفكرة أصلًا؟ الأفكار لا تنزف. تستطيع أن تُهاجم فكرةً ولا يسيل منها دم. فلماذا أحسّ بهذا الطعن في لحمي أنا، لا في الفكرة؟
إلا إذا لم تَعُد الفكرة فكرة. إلا إذا صارت شيئًا آخر.
ماذا صارت؟
أنا الذي يعرف
تمرّ أسابيع. ثم أشهر.
القصة لم تَعُد حدثًا يوميًا. لم تَعُد شيئًا تفكّر فيه؛ صارت الشيء الذي تفكّر به. كانت في يدك تقلّبها، فصارت العين التي تقلّب بها كل شيء. والعين لا ترى نفسها. صارت القصة عدستك، فاختفت عن نظرك، تمامًا كما تختفي النظّارة عن عين لابسها بعد دقائق. أنت لا ترى القصة. أنت ترى العالم من خلالها.
علامات الالتحام صغيرةٌ ومتفرقة، لو جمعتَها: طريقة قراءتك للأخبار تغيّرت. مفرداتٌ جديدة استوطنت لسانك. نكتةٌ كنتَ تضحك لها قبل سنةٍ لم تَعُد مضحكة. صرتَ تنجذب إلى أناسٍ بعينهم وتنفر من آخرين. هذه ليست تفاصيل سطحية؛ هذه أثر القصة وهي تتسرّب في كل خليّةٍ من عاداتك.
ثم تكتشف الآخرين. أولئك الذين يعرفون. لم تلقَ أكثرهم وجهًا لوجه، قد لا تلقاهم أبدًا، لكنهم — تشعر — قبيلتك. ثمة دفءٌ في هذا الانتماء، دفءٌ صادق، وبخاصةٍ إن كانت حياتك فقيرةً في الانتماءات، إن كنتَ قد مشيتَ طويلًا بلا قبيلة. فجأةً صار لك نحن. صار لك مَن يفهمك بلا شرح، مَن يكمل جملتك، مَن يراك. والقصة التي بدأت همًّا فرديًا في الساعة الحادية عشرة ليلًا، في سريرك، وحدك — صارت عضويةً في جماعة.
والاعتقاد يبدأ يسدّد ديونًا قديمة. كل إحباطٍ في ماضيك يجد الآن تفسيره. كل بابٍ أُغلق في وجهك، كل فرصةٍ ضاعت، كل ظلمٍ شعرتَ به ولم تعرف مصدره — له الآن فاعل. لم تَعُد خساراتك عشوائية، نتيجةَ سوء حظٍّ أو سوء اختيارٍ أو مجرد الحياة وهي تفعل ما تفعل بلا قصد. صار لها سبب. صار ماضيك مرتّبًا فجأة، نظيفًا، له منطق. ولا تسأل: من رتّبه؟ من جاء بكل هذا النظام إلى فوضى سنواتي؟
وتأمّل أيّ راحةٍ في هذا، أيّ راحةٍ عميقةٍ ومُرّة. لأن البديل — البديل الذي هربتَ منه دون أن تسمّيه — أقسى من أن يُحتمَل. البديل أن تكون تلك الإخفاقات إخفاقاتك أنت. أن الباب لم يُغلق في وجهك؛ أنت تأخّرتَ عنه. أن الفرصة لم تُسرَق؛ أنت لم تكن جاهزًا. أن لا أحد كان يتآمر عليك في الظلام، لأن لا أحد كان ينظر إليك أصلًا. أن الكون لم يكلّف نفسه عناء أن يظلمك — مرّ بك ولم ينتبه. أيّهما أرحم على رجلٍ في منتصف الليل يعدّ خساراته: أن عدوًّا خفيًّا أرادها له، أم أنها وقعت، وحدها، بلا سبب، بلا شاهد، بلا أحد؟
العدوّ هديّة. العدوّ يعني أنك مهمٌّ بما يكفي لتُستهدَف. والقصة لا تشفي جهلك بالعالم فقط؛ تشفي جرحًا أقدم — أن تكون صغيرًا، منسيًّا، لا يحسب لك أحدٌ حسابًا. ولأن هذا الجرح أعمق من أي فكرة، فإن ما يضمّده يصير أعزّ من أي فكرة. لم تَعُد تحمي رأيًا؛ صرتَ تحمي الضمادة التي تقف بينك وبين أن تكون لا أحد. لأن النظام مريح أكثر من أن تشكّ فيه.
والذين يعرفون مقابل النيام. التفوّق يُتذوّق بصمت. حتى لطفُك بالناس تغيّر؛ صار لطفًا من نوعٍ آخر، لطف العارف بالغافل، رِفقَ مَن يرى بمن لا يرى. وهذا — تنبّه — أخطر أشكال الازدراء: الازدراء الحنون. الذي يبتسم لك بشفقة.
ثم، في الخفاء، يُجرى حساب. ماذا يعني التراجع الآن؟ لو ثبت لك، غدًا، أنك كنتَ مخطئًا — ماذا تخسر؟ اعدُد البنود، بندًا بندًا:
تخسر المكانة. تنزل من فوق إلى بين الناس. تخسر القبيلة — أولئك الذين عرفوك وفهموك، يصيرون غرباء، أو أسوأ، يصيرون من «النيام» الذين تركتَهم. تخسر الماضي المرتّب؛ يعود ماضيك إلى فوضاه، تعود خساراتك بلا فاعل، يعود الظلم بلا اسم. وتخسر — وهذا أثقلها — سنواتٍ من نفسك. سنواتٌ كنتَ فيها «الذي يعرف». تُمحى دفعةً واحدة. مَن تكون إن لم تكن هو؟
والعقل، إذ يوازن كل هذا على الطاولة، يصل بهدوءٍ إلى نتيجة: الحقيقة أرخص بندٍ في القائمة.
القرار لا يُتّخذ بوعيٍ ولا بإعلان. يُكتشف، بعد فواته، أنه اتُّخذ في الخفاء. القرارات الكبرى تحدث هكذا — بلا فاعلٍ ظاهر، بلا لحظةٍ تشير إليها وتقول هنا قررت.
والآن، أَثبت ما قلتُه كله بتجربةٍ واحدة. أنت وحدك. لا جمهور، لا خصم، لا ثمن اجتماعي. الغرفة فارغة، الباب مغلق، لا أحد يسمع. قُل بصوتٍ مسموع — لا في رأسك، بصوتٍ تسمعه أذنك:
«ربما كنتُ مخطئًا.»
خمس كلمات. راقب حلقك قبل أن تنطقها. راقب ما يحدث هناك.
إنها لا تخرج.
ليست عضلات اللسان؛ لسانُك سليم. شيءٌ أعمق، في الحلق، يرفض أن يُعير الصوت لهذه الكلمات. كأن جسدك يحرس البناء من الداخل. خمس كلماتٍ صارت أثقل من أن تُرفع — وأنت وحدك في الغرفة، لا أحد، لا شيء يمنعك إلا أنت.
لماذا؟ لا أحد هنا. لا أحد سيسمع ولا أحد سيحاسب. فممّ الخوف؟ ليس خوفًا من الناس. الجملة لا تهدّد سمعتك أمام أحد؛ تهدّد البناء من الداخل. لأن الفكرة لم تَعُد فكرةً تحملها — صارت عضوًا فيك. والأعضاء لا تُخلع بقرار. أن تقول «ربما كنتُ مخطئًا» صار، في جسدك، كأن تقول «ربما يجب أن أبتر يدي». فلا عجب أن يرفض الحلق.
وآخر علامة، أصدقها كلها: جرّب أن تمزح. جرّب أن تسخر من قصتك، أن تضحك منها ضحكةً خفيفة كما تضحك من أي شيء آخر.
لا تستطيع.
الضحك عنها صار جرحًا. وهذا أصدق مؤشرٍ لا يخطئ: حين تلتحم الفكرة بالهوية، يصير المزاح عنها مستحيلًا. ما تستطيع أن تمزح عنه تحمله. ما لا تستطيع أن تمزح عنه يحملك.
(وأنت تقرأ هذا — جرّبه على شيءٍ تملكه أنت. فكرةٌ تحملها منذ سنوات. حاول أن تمزح عنها الآن. راقب الحلق نفسه.)
لكن لا التحام أبدي. البيوت كلها تتصدّع، حتى المبنيّة من يقينٍ خالص. من أين يدخل الهواء البارد أولًا؟
الشَّعرة في الجدار
لا يأتي الشرخ من حيث انتظرتَه. لا يأتي دليلًا قاطعًا يهدم كل شيء — رأيتَ أن القلعة تأكل الأدلة وتسمن بها. لا برهان يكسر يقينك. الشرخ يأتي من الجنب، صغيرًا، غير مهيب، من حيث لا حُرّاس.
يأتي من وعدٍ تأخّر. «سترون قريبًا.» قلتَها قبل أشهر، واثقًا. مرّ الموعد الأول، ولم يحدث شيء. مرّ سهلًا — برّرتَه، أجّلتَه. لكن الثاني ترك أثرًا. ثِقَلًا صغيرًا بلا اسم، في مكانٍ خلف عظمة الصدر تعرفه جيدًا. ليس فكرةً بعد. مجرد وزن.
ويأتي من مرآةٍ مشوّهة. رفيقٌ من رفاق الاعتقاد، أحد «الذين يعرفون»، يبالغ فجأةً مبالغةً فجّة، شبه مضحكة. تسمعه يقول ما هو أبعد حتى مما تصدّقه أنت، وتضحك في داخلك من تطرّفه...
ثم تجمد.
لأن النبرة مألوفة. النبرة نبرتُك.
هذا الذي يبدو لك الآن مضحكًا ومتطرفًا وأعمى — يتكلم بصوتك أنت، بمنطقك أنت، بطريقتك في ابتلاع كل اعتراض. تسمع في صوته نسخةً مشوّهةً من نفسك، فترتعب. والانزعاج من القريب أعمق دائمًا من الانزعاج من البعيد، أتدري لماذا؟ لأن البعيد ينفيك — هو رأيٌ آخر، خارجك، لا يمسّك. أما القريب فيشبهك. والمبالِغ الذي يشبهك يُريك نفسك من الخارج، للحظة، وأنت لا تطيق أن ترى نفسك من الخارج.
ويأتي من سؤال طفل. ابنُ أختك، أو طفلٌ في العائلة، يسمعك تحكي، ثم يسأل ببراءةٍ تامة:
«طيب... ليش ما حدا منهم اعترف لحدّ الآن؟»
والإجابة تخرج منك فورًا. مصقولةٌ من كثرة الاستعمال، جاهزة، تنزلق بلا تفكير. لكنها — هذه المرة — تَرنّ في أذنك فارغة.
تسمع جوابك يخرج، وتسمع، في الوقت نفسه، أنه أجوف. الفجوة بين سرعة الجواب وامتلائه تُسجَّل في مكانٍ ما. لم يقتنع الطفل ولم تقتنع أنت تمامًا، لكنك مضيتَ، وفي صدرك شيءٌ لم يكن هناك قبل سؤاله. أول شرخٍ مسموع.
ويأتي — وهذا أخفاها وأمضاها — من الملل. تعترف به على استحياء، بالكاد لنفسك: أنت تكرّر الحجج نفسها للمرة الأربعين. وفي منتصف حجّتك، وأنت تقولها لأحدهم، تتثاءب. تتثاءب من فكرتك أنت.
لأن الإيمان يحتاج صيانةً يومية. كل صباح يجب أن تُعيد بناء القصة، أن تُغذّي الجدران، أن تردّ على الاعتراضات نفسها التي رددتَ عليها أمس. والصيانة تُرهق. والإرهاق — انتبه — لا يجادل. لا يقدّم دليلًا مضادًا، لا يقف في وجهك بحجة. إنه فقط... يتعب. يومٌ بعد يوم، يصير حمل القصة أثقل قليلًا، حتى تبدأ، دون أن تعترف، تضعها أرضًا لتستريح.
وثمة شيءٌ مهينٌ في هذا التعب، شيءٌ لا تجرؤ أن تقوله بصوتٍ عالٍ: أنك صرتَ تملّ من أعزّ ما تملك. الفكرة التي كانت تُشعل ليلك، التي قمتَ لها من النوم، التي أعطتك مكانًا فوق الناس — صارت واجبًا ثقيلًا تؤدّيه بفتور، كصلاةٍ بلا خشوع، كزيارةٍ تكرّرها بلا شوق. تسمع نفسك تردّد الحجة الأربعين فتعرف كل كلمةٍ قبل أن تقولها، وتعرف الردّ الذي سيأتي، وردّك على الردّ. لا مفاجأة. لا حرارة. آلةٌ تدور في الفراغ. والملل أصدق من أي خصم؛ لأن الخصم يهاجم القصة من خارجها، أما الملل فيخبرك، من داخلك، أنك أنت — أنت لا أحد سواك — لم تَعُد تجد فيها ما كنت تجد.
والشروخ الأربعة — الوعد، والمرآة، والسؤال، والملل — لا تتجمع في رأسك منطقيًا. تتجمع شعوريًا. لا تقول: «إذن، حجّتي ضعيفة في النقطة الفلانية.» تشعر فقط بضيقٍ غامض. حرجٍ بلا سبب ظاهر. مزاجٍ ثقيلٍ يلفّ القصة كلها. الشرخ مزاجٌ قبل أن يجرؤ على أن يصير فكرة.
ثم تأتي ليلة.
الثالثة إلا ربعًا فجرًا. تستيقظ على سؤالٍ كما استيقظتَ في الليالي الأولى، وتمدّ يدك إلى الهاتف في الظلام كأنك تُطفئ منبّهًا. الشاشة تُضيء لحظةً: رسالةٌ في المجموعة لم تفتحها، وصلتْ في الحادية عشرة وسبعٍ وأربعين دقيقة. تُزيحها بإبهامك دون أن تقرأها، ويعود الظلام.
لكن السؤال هذه المرة ليس عن الخبر. إنه موجَّهٌ إلى القصة نفسها.
«...شيءٌ ما لا يستقيم. في قصتي أنا.»
تُسكت السؤال كما أسكتَّ الرسالة. وأنت تُسكته، تعرف — للمرة الأولى تعرف — أنه سيرنّ غدًا. في الوقت نفسه تقريبًا. وأنك لن تستطيع أن تطفئه إلى الأبد.
لم تَعُد تقول «لا شكّ عندي». صرتَ تقول «ليس الآن». وبين الجملتين هاويةٌ كاملة.
حين تبدأ جدران بيتٍ سكنتَه طويلًا في التصدّع — ماذا تفعل؟ تهجره؟ أم تُعلّق فوق الشقوق صورًا؟
موتٌ هادئ، أو طلاءٌ جديد
من هنا طريقان. وكلاهما حدث لك أنت من قبل. في شيءٍ ما، مرةً ما، مع اعتقادٍ آخر لم تَعُد تذكره الآن. لستَ غريبًا عن هذا المفترق؛ وقفتَ عنده. دعني أصف لك الطريقين كأنك لم تسلكهما، وأنت تعرف أنك سلكتَ أحدهما على الأقل.
الطريق الأول: أن تموت القصة. لكن لا تتخيّلها موتًا دراميًا. لا لحظة انهيار، لا إعلان، لا «اقتنعتُ أخيرًا بالعكس». لا أحد يقول هذا أبدًا. الموت أهدأ من ذلك بكثير.
حماسك يبرد. كفنجان قهوةٍ نسيتَه على الطاولة وعدتَ إليه بعد ساعة. لا أحد سكب الفنجان؛ هو فقط... برد. تفتح تلك المواضيع أقل. تغادر تلك النقاشات بصمت، لا غاضبًا ولا منسحبًا بإعلان، بل كمن خرج من غرفةٍ صار هواؤها ثقيلًا. تقلّ الكلمات، تقلّ، تقلّ.
ولا تمرّ بلحظةٍ تقول فيها: انتهيت. لا يوجد قرار، ولا باب يُغلق بصوت. تدخل بدلًا من ذلك في منطقةٍ رماديةٍ بلا اسم: لا تزال تحملها، لكن بطرف اليد. لا تزال تردّ، لكن بنصف حرارة. أحيانًا تفتح فمك لتدافع كما كنتَ تدافع، فتسمع صوتك يخفت في منتصف الجملة، كأن البطارية تنفد وأنت تتكلم. تكره هذا الفتور أكثر مما كنتَ تكره خصومك؛ لأن الخصم كان يمنحك معركةً تحييك، أما هذا فيسحب منك حتى المعركة. ما عاد لك عدوٌّ في الخارج. صار الفتور هو العدو، والفتور لا يُقاتَل، لأنه لا يقف أمامك — يجلس بداخلك، حيث لا تطاله يدك.
وذات يوم تلاحظ شيئًا: لم تفكّر فيها منذ أسبوعين. وهذه الملاحظة نفسها هي شهادة الوفاة.
لم يهزم القصةَ أحد. لم يأتِ دليلٌ قاطع في النهاية. لم تَخسر معركة. ماتت إهمالًا، في زاوية، بلا جنازة. والمعتقدات، تكتشف الآن، نادرًا ما تُقتل في المعارك. البراهين تُكسَر على الأسوار — رأيتَ القلعة تأكلها. لكن التعب يتسلّل من المطبخ، من الباب الخلفي، حيث لا حُرّاس، ويُطفئ النار ببطء.
ثم يأتي حدادٌ لا تسمّيه حدادًا. خجلٌ حارق من حماسك القديم — حرارةٌ حقيقية تصعد إلى وجهك حين تتذكر نفسك في المقهى، واثقًا، تُلقي إجاباتك المصقولة على صديقٍ كان قلقًا عليك. تتجنّب أماكن. تتجنّب كلمات. تتجنّب أشخاصًا، كما تتجنّب شوارع علاقةٍ قديمة انتهت. وفوق الخجل، شفقةٌ غريبة على ذلك الشخص الذي كنتَه. كأنه شخصٌ آخر. كأنك تنظر إلى صورةٍ قديمة لك وتقول: انظر إليه، كم كان واثقًا، كم كان وحيدًا وهو يظن نفسه يرى.
والأسوأ من هذا كله — اجلس مع هذا جيدًا: الفراغ الأول عاد.
السؤال الذي بدأ كل شيء، تلك الليلة، الساعة الحادية عشرة — ما زال بلا جواب. لم تَعرف أبدًا لماذا مات ذلك الرابط. لم تصلك الحقيقة في النهاية. كل ما حدث أنك بنيتَ فوق الفجوة بيتًا، ثم سكنتَه، ثم تركتَه يتهدّم — والفجوة تحته كما هي، لم تُملأ يومًا. لكنها الآن أوسع. لأنك ذقتَ اليقين وفقدتَه. والفجوة بعد اليقين أعمق من الفجوة قبله. من لم يعرف الامتلاء يحتمل فراغه؛ أما من ذاق ثم جاع، فجوعه مضاعف.
أو — الطريق الثاني. القصة لا تموت. تتحوّر. التواريخ تُزاح بهدوء: «لم نقل هذا العام تحديدًا، قلنا قريبًا.» الأشرار يُستبدلون: لم يكن هؤلاء، كان أولئك. التفاصيل التي سقطت تُستبدل بتفاصيل أمتن. والبنية، إذ يهددها الموت، تفعل ما يفعله كل كائنٍ حيّ مهدَّد: تتكيّف لتنجو.
ثم تأتي الجملة السحرية. الجملة التي رمّمت كل القلاع عبر التاريخ، سبع كلماتٍ تنقذ كل شيء: «كنّا مخطئين في التفاصيل، لا في الجوهر.»
وبهذه الجملة، تتنازل عن كل ما سقط، وتحتفظ بكل ما يهم. الجوهر — أي القصة، أي الشرير، أي «أنا الذي يعرف» — يَسلَم. والتفاصيل، التي كانت يومًا برهانك، صارت اليوم قشورًا تتخلّى عنها بسخاء.
والاعتقاد المرمَّم أصلبُ من الأصلي. لأنه نجا من موتٍ مرة. واجه نهايته وتجاوزها. وصار يظنّ نفسه — وهذا أخطر ما فيه — لا يُقتل.
بعد شهور.
تبحث في هاتفك عن صورةٍ قديمة، فيصادفك مجلّدٌ نسيتَه: عشرات اللقطات، الروابط، الصور، الملاحظات — أرشيف تلك الليالي. كل ما جمعتَه وحكتَه وآمنتَ به، مكدّسًا في مكانٍ واحد. تتصفّحه. كما تُتصفّح رسائل حبٍّ لشخصٍ لم تَعُد تعرفه. والإصبع يتردد فوق «حذف الكل».
...
لن أقول لك إن حذفتَ أو أبقيتَ. المشهد لك أنت. أكمِله بنفسك. وما تختاره — أن تمسح كل أثرٍ لمن كنتَه، أو أن تُبقيه في زاويةٍ من ذاكرة الهاتف لا تفتحها — ما تختاره يخبرك بشيءٍ عن نفسك. أنا لا أعرفه. أنت وحدك تعرفه.
ولاحظ كلماتنا حين نحكي عن أفكارٍ تركناها: لا أحد يقول «اقتنعتُ بالعكس». نقول: «ابتعدتُ.» نقول: «ما عاد يهمّني.» نقول: «تجاوزتُ تلك المرحلة.»
الأفكار لا تُدحَض في القلب. تُهجَر. نخرج منها كما نخرج من بيتٍ، لا كما نَخسر جدالًا. ولهذا تجد، في كل مكان، بيوتًا مهجورةً لأفكارٍ لم يَثبت يومًا أنها كاذبة؛ فقط مَلّ سكّانُها وغادروا.
والآن، السؤال الذي تتوقف عنده كل هذه الرحلة: العقل الذي فعل هذا كله — الذي التقط الوخزة، وحفر الفجوة، ورسم الخيوط، وحاك القصة، وبنى القلعة، وصار هوية، ثم تركها تموت أو رمّمها — هذا العقل ما زال هنا. بعتاده كاملًا. لم يتعلّم شيئًا، ولم ينسَ شيئًا. آلته سليمةٌ تمامًا، جاهزة، تنتظر فجوةً جديدة. وهو الذي يقرأ معك هذا السطر الآن.
فكم مرةً فعلها من قبل، دون أن تنتبه؟ ...وما الذي يفعله الآن؟
المرآة
دعنا نخفض الصوت.
لم يَعُد السؤال «كيف يصدّقون ذلك؟» لم يكن هذا السؤال يومًا. السؤال — وقد بنينا معًا، صفحةً بعد صفحة، الجهازَ من أوله — هو: ما الذي أصدّقه أنا الآن، وقد بُني بالطريقة نفسها تمامًا؟
ذلك اليقين الصغير: أن زميلك يتجاهلك عمدًا. كيف صار يقينًا؟ نظرةٌ منه لم تفهمها — وخزة. صمتٌ بعد سلامك عليه — فجوة. ثم تذكّرتَ أنه لم يدعُك إلى غدائهم الأسبوع الماضي — خيط. ورسالةٌ تركها بلا رد — خيط آخر. وحكتَ القصة لنفسك: هو يتجاهلني، لأنه... — وفي لحظةٍ ما، بين الإبريق والفنجان، «كليك.» صار حقيقةً أنه يكرهك. وأنت لم تسأله مرة. لم تَعرف قط أن أمّه كانت في المستشفى ذلك الأسبوع.
وقصتك الجاهزة عن السبب الحقيقي لتعثّر مشروعك. وحُكمك المغلق، النهائي، على أحد أقاربك — مَن هو، وماذا يريد، ولماذا يفعل ما يفعل. ورأيك الذي «وضح» ذات يومٍ قبل سنوات، في مسألةٍ ما، ولم تفتحه للمراجعة منذها. مغلق. موقّع. منتهٍ.
كلها قلاع.
ثم — اقترب أكثر — قصتك عن نفسك. لماذا أنت هكذا. من الذي يجب أن يُلام. أيّ طفولةٍ صنعت ماذا. القصة التي ترويها عن نفسك حين يسألك أحد، أو حين تسأل نفسك في الليل: هذا أنا، وهذا ما جعلني، وهذا سببُ كل شيء.
سؤالان فقط، ولن أزيد: متى رويتَها آخر مرة؟ ولماذا تتحسّن صياغتُها في كل رواية؟
ثم — وهنا نصل — هذه الصفحة. هذا المقال أعطاك فجوةً. سؤالًا في عنوانه، شيئًا لا يستقيم. ثم أعطاك خيوطًا: السنّ المكسورة، الدرجة الناقصة، النجوم. ثم حاك لك سرديةً أنيقة عن عقلك، لها بدايةٌ ووسطٌ ونهاية، تتقدّم بإحكام من الوخزة إلى المرآة. ثم — قبل قليل، قبل أسطر — منحك ذلك الشعور المريح: «كل شيءٍ منطقيٌّ الآن. الآن فهمتُ كيف يولد اليقين.» وذلك الشعور الأحلى: أنك صرتَ ترى عن العقول ما لا يراه أكثر الناس.
توقّف.
هذا الارتياح الذي في صدرك، الآن، في هذه اللحظة بالذات — أنت تعرفه. سمعتَه قبل خمسة أقسام. إنه الكليك. صوت المفتاح وهو يدور.
وذلك التوقيت — الحادية عشرة وسبعٌ وأربعون دقيقة. ذكرتُه في أول سطرٍ من هذا المقال. ثم عاد، عابرًا، في الليلة المفصلية، قبل أسطر. هل لاحظتَه يتكرر؟
وحين لاحظتَه — لجزءٍ من ثانية — هل شعرتَ أنه «يعني شيئًا»؟ أن الكاتب وضعه مرتين لسبب؟ أن ثمة شفرةً ما، خيطًا يربط الموضعين، رسالةً مخبّأة؟
إنه لا يعني شيئًا. رقمٌ اخترتُه. مجرد صدفة. ...أو ربما يعني.
تلك الحكّة التي في رأسك الآن — هذه بالضبط، هذه الرغبة في أن يكون للرقم معنى، هذا الرفض الصغير لـ«مجرد صدفة» — هي موضوع هذا المقال كله. حدثتْ في رأسك أنت، الآن، لا على الورق. القصة التي حكيتُها لك عن عقلٍ يجوع إلى الأنماط، يحدث في هذه الثانية في عقلك. شيءٌ ما لا يستقيم — في هذا المقال. وها أنت تبحث عن الخيط.
و«هم». تذكر حين قلتَ، في القلعة، عن الذين يشكّكون فيك: «هم لا يرون.» قلتَها بثقة، وتركتُها تمرّ. انظر إليها الآن.
أنت كنتَ «هم». طوال الوقت. الذي يبني قصةً من نظرتين وصمت، الذي يأكل الأدلة المعاكسة، الذي يرفض الصدفة لأنها تؤلم — كان أنت. كلمة «هم» التي قذفتَها كانت ترتدّ طوال المقال، تدور في الهواء، حتى تعود الآن لتقع عليك أنت.
الآلية ليست عطبًا يصيب الآخرين. إنها طريقة عمل الجهاز. جهازك أنت. جهازنا.
وقعنا فيها معًا، هنا، للتو، في هذه الصفحة. أنا حكيتُ، وأنت آمنتَ، وكلانا شعر بالكليك. لا تنتصر عليّ ولا أنتصر عليك؛ نحن في الفخ نفسه، ولم يكن لأيٍّ منّا أن يخرج، لأن هذا ما يفعله العقل بالغموض كما تفعل الرئة بالهواء. لا نلوم رئةً لأنها تتنفّس. ولا مخرج من صناعة القصص بأن تكفّ عن صناعتها؛ لن تكفّ. ستحكي حتى آخر يوم.
المخرج — إن وُجد — أصغر من هذا بكثير. وأصعب. أن تسمع صوت الكليك في لحظة حدوثه. لا بعده بسنوات، حين تتصفّح أرشيفًا قديمًا وتخجل. بل في اللحظة، وأنت تصبّ القهوة، حين يدور المفتاح: أن تتوقف، وتقول لنفسك، هذا الصوت — سمعتُه. وأن تتعلّم أن تبقى في الفجوة ثانيةً واحدةً أطول قبل أن تسدّها. ثانيةً واحدة. هي كل ما تملك ضد جهازٍ كاملٍ يعمل ضدك ومعك في آنٍ واحد.
السنّ المكسورة في حياتك أنت. الدرجة الناقصة تحت قدميك أنت. الخطوط التي رسمتَها أنت بين نجوم أناسٍ تعرفهم. صوت المفتاح في يقينياتك أنت. القلعة حول رأيك أنت. الشقوق في بيتٍ تسكنه الآن، وأنت لا تعرف أنه يتصدّع.
اسمع.
...صوت المفتاح.
هل سمعتَه الآن؟
