في أواخر أيلول يبقى الضوء على جبل اللويبدة إلى السابعة إلا ربعًا، ثم يزرقّ عشر دقائق، ثم ينطفئ. الشارع منحدر ضيّق، لا تنزله سيارات الأجرة ولا تصعده، لأن وانيت خضار واقف منذ سنة على الجهة اليسرى، نصفه على الرصيف ونصفه في الشارع، وصاحبه لا يعرفه أحد. من باب العمارة إلى رأس الشارع مئتان وأربعون خطوة صعودًا. عند رأس الشارع صيدلية في واجهتها ساعة كبيرة، وأمامها تقف التاكسيات.
في الطابق الأرضي من العمارة ورشة تجليد وترميم. مروان يرفع الستارة في الثامنة والنصف، ويشدّ المكبس في السابعة والربع فيتركه ليلة كاملة، ويقفل في السابعة والنصف. في زجاج الورشة شقّ طوله شبر، عليه شريط لاصق أصفر تقوّس طرفه من الحرارة.
في الطابق الثالث عيادة علاج طبيعي. الدوام من الثامنة إلى الثانية، ومن الرابعة إلى السابعة والنصف، والمواعيد كل أربعين دقيقة. صاحب العمارة اشترط أن يُقفل الباب الحديدي الأخضر في السابعة والنصف، وسلّم المفتاح لمروان لأن بابه أقرب الأبواب إليه.
فصار مروان يقف عند الباب في السابعة والنصف، ويسمع الدرج. ينزل صوتها قبلها: كعب على البلاط، ثم توقّف عند البسطة الأخيرة حيث الدراجة المربوطة بسلسلة إلى الدرابزين منذ حزيران، الدراجة الناقصة دوّاسة. ثم تظهر.
— أغلقتَ؟
— من ربع ساعة.
يمسك الباب برجله لأنه يرتدّ، وتخرج. يقفل. المفتاح ثقيل ولونه نحاسي داكن، وعلى الجدار قربه لوحة صغيرة لطبيب أسنان انتقل قبل سنوات، ما زالت مثبّتة بمسمارين. في تلك الليلة سألها عن يومها.
— شنطتك ثقيلة.
— كتب. عندي امتحان في تشرين الثاني.
— امتحان؟
— دورة. لا شيء.
عند الوانيت يضيق الممرّ. تقدّمها بخطوة ودخل الفتحة أولًا، ثم عادا جنبًا إلى جنب. كان الهواء يحمل رائحة غسيل من مغسلة على بعد ثلاثة أبواب، ورائحة ديزل. من الجهة المقابلة يأتي صوت مولّد كهرباء يشتغل ثم يسكت ثم يشتغل.
— اليوم جاءني رجل عمره ثمانون. يريد أن يعود إلى السباحة.
— يعود؟
— كان يسبح في الستينيات. في بركة نادي. يقول إن الماء كان أبرد.
— الماء كان أبرد فعلًا.
ضحكت ضحكة قصيرة، من الأنف. عند الصيدلية أشارت لتاكسي، وفتحت الباب، وقالت «غدًا»، وأغلقت. مضى مروان في الشارع المتفرّع إلى بيته: ثلاث بنايات ومنعطف. على صندوق الكهرباء عند المنعطف ملصق ممزّق لمعرض سيارات انتهى قبل أربع سنوات.
في تشرين الأول تختفي التاكسيات بين السابعة والنصف والثامنة، لأن ساعة الذروة الثانية. وقفا عشرين دقيقة عند الصيدلية.
كانت عائلة تُدخل برّادًا في صندوق بيك أب على الرصيف المقابل. أربعة رجال وامرأة تقول لهم إن الباب سينكسر. الباب لم ينكسر.
— سيكسرونه.
— لن يكسروه.
— يقولون هذا كل مرة، ثم ينكسر.
لم ينكسر. رفعوه ودخل. ربطوا الحبل مرتين وأدار السائق المحرّك.
— شفت.
— شفت.
على التلّة المقابلة أضواء قاعة أفراح تدور بالأحمر والأخضر، ثم تتوقف، ثم تدور. لا يصل منها صوت.
— هناك مكان في تلاع العلي.
— مكان.
— طابق أرضي. ستون مترًا. غرفتان ومطبخ صغير. صاحبه يريد إيجار سنة مقدّمًا.
— سنة كثير.
— كثير.
سكتت، ونظرت في الشارع، ثم قالت إن الصيدلية لا تبيع طوابع بريد، وإنها سألت مرتين وفي كل مرة تنسى أن الجواب لا. جاء تاكسي. صعدت.
كان الكتاب في الأخلاق، ترجمة قديمة، طبعة ستينية، كعبه متفكّك وأوراقه محمّرة عند الحواف. أنزلها إلى الورشة صاحبها في الصباح، وفي المساء نزلت دارين مبكرة لأن الموعد الأخير اعتذر.
— انظري.
في الهامش، بقلم رصاص: «كذب».
— أين؟
— هنا. وهنا.
قلبا صفحة. «ومن قال لك؟» قلبا أخرى. «الله يهديك.»
بدأت تقرأ الفقرات بصوت جادّ جدًا، بصوت مذيع، ثم تقرأ الهامش. عند «إن الفضيلة وسط بين طرفين» كان الهامش: «أنت لم تجرّب.»
انفجرت. وضعت يدها على فمها ثم رفعتها لأنها لم تنفع. مروان كان يضحك ويقول لها اهدئي، الورق قديم، ثم يضحك أكثر. جلسا على الأرض بجانب الطاولة، وظلّا يقلّبان، ووجدا سبعًا وعشرين مرة كلمة «كذب»، ومرة واحدة، بقلم حبر أزرق مختلف: «هذا صحيح.»
— شخصان.
— أو شخص واحد بعد عشرين سنة.
ضحكت حتى دمعت، ومسحت تحت عينيها بظهر إصبعها، ثم قالت إنها جائعة، ثم ضحكت مرة أخرى لا لشيء.
— اسمه شارع الشريف ناصر.
— لا. هذا الشارع الذي بعده.
— مكتوب على اللوحة.
— أي لوحة؟
— كانت لوحة.
مشيا إلى البقالة وسألا. قال البقّال إن اسمه شارع الياسمين، وإن أباه كان يقول له هذا، وإن اللوحة أزيلت أيام التوسعة.
— أي توسعة؟
— التوسعة.
خرجا. قالت إنها متأكدة. قال إنه متأكد. مشيا مئتين وأربعين خطوة وكلٌّ منهما متأكد.
نزلت في السادسة وأربعين دقيقة لأن المريضة الأخيرة ألغت. كان مروان قد فرد على الطاولة أربع كرّاسات وشريطين قطنيين وبكرة خيط كتّان.
— ما هذا؟
— خياطة. تعالي.
حرّك اللمبة عن عينيها، ووضع خرقة مطوية تحت مرفقها، وأعطاها إشفى.
— خمس نقاط. اضغطي مرة واحدة. لا تلفّي.
ثقبت. مال الثقب.
— مالت.
— لا شيء. الورق يسامح.
شمّعت الخيط أمامها على قطعة شمع نحل، ثلاث مرات، وشدّته حتى صرّ. قال إن الخيط إذا لم يُشمّع تشرّب الغراء وتقطّع بعد عشرين سنة، وإن أحدًا لن يراه أبدًا، ولا هو، وهذا هو الجزء المهم. قال ذلك بسرعة ولم يفكّر فيه.
— أعطيني.
— اثبتي على الشريط. من الداخل إلى الخارج، ثم دوري.
— هكذا؟
— لا. يدك ليست يد جرّاح. ارخيها.
— أنا التي أقول للناس ارخِ يدك.
— تقولين ولا تفعلين.
— هذه مهنة كاملة، أن تقول ولا تفعل.
سحب الخيط عنها وأعادها إلى أول الغرزة، وأمسك ظهر كفّها لحظة ليخفض الزاوية، ثم تركها. الغراء كان يسخن على المدفأة الصغيرة وله رائحة حلوة قليلًا، رائحة نشا محروق. من فوق سُمع كرسي يُجرّ. خاطت كرّاسة كاملة، ثم الثانية، وعند الثالثة صارت أسرع منه في العقدة.
— لماذا تحبّ هذا؟
— الرائحة. وصوت المكبس. تشدّه فيصرّ صريرًا واحدًا طويلًا ثم يسكت. وبعدين تفتحه الصبح ويكون الكتاب صار جسمًا واحدًا. كان أوراقًا.
قالها كلها دفعة واحدة ولم يقس شيئًا. في الثامنة إلا ربعًا انتبها إلى الساعة. لم يقفل المكبس ولم يشدّه. قطع الخيط بأسنانه ثم اعتذر، فقالت إن نصف مرضاها يقطعون الشاش بأسنانهم. وقفا وشدّا المكبس معًا، هي على الذراع وهو على اللولب، وصرّ صريرًا واحدًا طويلًا ثم سكت.
خرجا والباب الحديدي بارد. عند رأس الشارع كانت ساعة الصيدلية تشير إلى الثامنة إلا خمس دقائق، وهي أسرع من الوقت بأربع دقائق دائمًا.
— مساء الخير.
— مساء الخير.
في تشرين الثاني تُشعل البيوت مدافئ الكاز، وتصير رائحة الشارع في الليل رائحة كاز ودخان حطب من الفرن عند رأس الشارع.
صعدا في تلك الليلة ولم يقولا شيئًا. لا هو ولا هي. مئتان وأربعون خطوة. مرّت سيارة فوقفا على الجانب ثم أكملا. عند البقالة كان الرصيف مبلولًا لأن البقّال يغسله في الثامنة. عند الصيدلية قالت: «طيّب. غدًا.»
— غدًا.
— رائحة الغراء وصلت إلى العيادة اليوم.
— أيّ غراء؟
— الذي تسخّنه. المريضة سألتني إن كان في العمارة حريق.
— أُغلق الباب.
— بابك مغلق. المشكلة في الدرج.
— أفتح شبّاك الورشة.
— لا يهمّ.
مشت أسرع منه قليلًا، وأخذت التاكسي الأول من غير أن تنتظر. في اليوم التالي نزلت في السابعة وثلاث وثلاثين دقيقة وقالت وهي تخرج:
— أمس كنت متعبة. ثمانية مرضى وواحد جديد.
— لا شيء.
مشيا. عند الفتحة تحت الوانيت مرّا واحدًا وراء واحد ثم عادا.
— اسألني عن المكان.
— المكان؟
— تلاع العلي. لم يسألني أحد عنه منذ شهر.
— كم مترًا قلتِ؟
— ستون.
— والسقف؟
— عالٍ. أعلى من هنا.
سكتا خطوات. ثم قالت، بالنبرة نفسها التي تقول بها إن الصيدلية لا تبيع طوابع:
— وقل لي بوضوح إن كنت تريدني أن أنتظرك عند الباب أو أنزل وأمشي.
— أنتظرك أنا.
— أعرف. أنا أسأل عن شيء آخر.
جاء تاكسي. رفعت يدها. وقبل أن تركب قالت:
— ودائمًا أنا التي أقول تعال. مرّة واحدة قل أنت.
وأغلقت الباب.
يوم الخميس، الثالث عشر من تشرين الثاني، كانت ساعة الصيدلية تشير إلى السابعة وإحدى وأربعين دقيقة.
— وقّعت.
— وقّعتِ؟
— اليوم الساعة الواحدة. سنة مقدّمًا. أعطاني مفتاحين.
— مبروك.
— السبت سأذهب لأقيس. أريد أن أعرف أين تدخل الأسرّة وأين المغسلة، لأن الماء لا يصل إلى الغرفة الداخلية إلا بمواسير.
وقفت. كانت تحمل المفتاحين في يدها لا في حقيبتها.
— تحبّ أن تأتي؟
— السبت.
— السبت. عند الحادية عشرة.
— المكبس يحتاج أن يُشدّ صباحًا. وعندي كتاب لصاحبه يأخذه الأحد، وأنا لم أقصّ الجلد بعد.
— طيّب.
— سأحاول.
— طيّب.
نظرت إليه ثلاث ثوانٍ ثم أشارت للتاكسي. صعد الشارع بعدها بخطوة، وقبل الوانيت تقدّمها ودخل أولًا ولم ينتظر عند الفتحة. عند الصيدلية فتح لها الباب وأغلقه. قال لها إنه سيأتي.
السبت فتح الورشة في التاسعة. شدّ المكبس. قصّ الجلد. في الحادية عشرة إلا عشر دقائق نظر إلى الساعة وقال لنفسه إنه سيذهب في الثانية عشرة، لأنها ستكون في أول القياس والقياس يطول. في الثانية عشرة والنصف قال لنفسه إنها انتهت. جلس على الكرسي عند الطاولة وسنّ السكين على الحجر، وسنّها مرة ثانية، وهي حادة.
الأحد وقف عند الباب في السابعة والنصف. سمع الدرج في السابعة وأربع وثلاثين دقيقة. نزلت، وفي يدها مفتاح.
— لا تنتظرني بعد اليوم. أعطاني أبو صبحي مفتاحًا.
فتحت بنفسها. أدارت المفتاح إلى اليمين مرتين مثلما يفعل، وخرجت، وأمسكت الباب برجلها لأنه يرتدّ.
— أراح.
— كثير.
مشيا. عند البقالة توقفت.
— اذهب أنت. أريد خبزًا وسأتأخر.
مشى. في منتصف الشارع التفت فرآها واقفة عند الصندوق تعدّ نقودًا، والبقّال يقول شيئًا وهي تضحك. صعد إلى الصيدلية ووقف يعدّ التاكسيات حتى نزلت هي بعد سبع دقائق ومعها كيس، فأخذت الأول.
في الثلاثاء نزلت في السابعة وعشرين. وفي الأربعاء كذلك. كان الباب مفتوحًا حين وصل إليه في السابعة والنصف، فأقفله ومشى وحده.
فهم أنها وفّرت على نفسها الانتظار، وأن الشهر شهر نقل، وأن من يفتح مكانًا جديدًا يخرج مبكرًا.
في الخميس الأخير من الشهر أخلت العيادة. صعد في الرابعة وباب الطابق الثالث مفتوح، ورجلان ينزلان سريرًا معدنيًا بالمساند. لم تكن هناك. كانت على الهاتف من مكان آخر، والرجل الذي يحمل الطرف الأعلى يقول لها إن السرير لا يمرّ من المنعطف، وهي تقول له من الهاتف: «افصلوا الأرجل. الأرجل تُفصل بمفكّ صغير.»
على الجدار مكان اللوحة أفتح من الجدار.
في السبت الأخير من تشرين الثاني ركب تاكسي إلى تلاع العلي. سأل عن العمارة مرتين. الطابق الأرضي، الباب مفتوح على الممرّ، وعلى الزجاج ورقة مطبوعة فيها المواعيد الجديدة. كانت جالسة على الأرض بين الكراتين، حافية، وشعرها مربوط بقلم.
— أوه.
— مررت.
— ادخل. لا يوجد كرسي.
الغرفتان مطليّتان بالأبيض والرائحة رائحة دهان جديد ولاصق. الشمس تدخل من الشباك العالي حتى منتصف الأرض. من الشارع صوت منشار حديد من ورشة قريبة، يشتغل ويسكت. مشى في الممرّ إلى الغرفة الداخلية وهي وراءه بخطوة، ثم وقفا.
— هنا سرير، وهنا سرير، والمغسلة هناك.
— السرير الأول أرجله تخبط.
— أعرف. أحدهم فصلها ولم يشدّها.
أخرج مفكّرًا صغيرًا من جيبه — مفكًّا صغيرًا يحمله دائمًا لمسامير المكابس — وركع وشدّ الأربعة، واحدًا واحدًا، وهزّ السرير فلم يخبط. كانت في تلك الأثناء تتكلم في الهاتف مع رجل عن سخّان الماء، وتقول إن السخّان يجب أن يكون فوق الحمّام لا فوق المطبخ. أنهت المكالمة.
— شكرًا.
— لا شيء.
— في كرتونة شاي. لا أعرف أيّها.
فتح ثلاثًا فوجدها. الغلّاية جديدة وعليها ملصق السعر. شربا واقفَين، هو مسنود إلى الحائط وهي على حافة الشبّاك، وتكلّما عن المواسير، وعن أن الأرض تحتاج جلية أخرى، وعن رجل السخّان. نظرت إلى الفنجان ثم إليه.
— تأتي لتراه حين يخلص؟
— سأحاول.
هزّت رأسها ووضعت فنجانها على الشبّاك. أخذه ومعه فنجانه إلى المغسلة، وغسلهما، ووضعهما مقلوبين على الحافة، وخرج.
