الكتاب لا يستقرّ في كفٍّ واحدة. جرّبتُ أن أحمله كما أحمل أي كتاب — بين إصبعين، معلّقًا في الهواء بينما أقلّب الصفحات — فسقط. نقلتُه إلى الكفّ الأخرى، فآلمتني الأخرى. أنزلتُه على ركبتيّ فخدّر الفخذ. طبعة قديمة، جلدها تصلّب وفقد ليونته منذ عقود، وحين أفتحها يصدر ظهرها صريرٌ يشبه أنينًا مكتومًا.
لم يخفّ في أيّ وضع جرّبته. انتقل فقط.
ولم أقرأ جملة واحدة بعد.
أقرأ الاسم الأول: فيودور بافلوفيتش كارامازوف. اسم طويل، يحتاج كفًّا كاملة من النَّفَس لنطقه. وقبل أن أعرف عنه شيئًا، أعرف أنه ليس رجلًا في غرفة. شيء أقرب إلى الطقس: يدخل فيتكاثف الهواء، فيصير من في البيت يتنفّسون بحذر دون أن يعرفوا لماذا. ولا أحد منهم يشتكي من ثقل؛ كلٌّ منهم يحمل قدرًا صغيرًا منه على صدره، والقدر الصغير لا يُشتكى منه.
هذا ما أشعر به. لا أعرف بعد إن كان صحيحًا.
البيت الذي لم أدخله — لم أتجاوز الصفحات الأولى — خانق. أعرفه من الأبواب التي يتركها الأبناء مواربة خلفهم، كأن أحدًا منهم لا يحتمل أن يُغلق عليه مع الهواء نفسه أكثر من دقائق. المال محبوس هناك. الغيرة محبوسة هناك. وامرأة اسمها غروشنكا تمرّ فتزيد الغرفة ثقلًا لا ضوءًا. ولا أحد في هذا البيت يتكلّم عن الأب كما يُتكلّم عن رجل؛ يتكلّمون عنه كما يُتكلّم عن رائحة لا يُعرف مصدرها: لا أحد يشير إليها، وكلّهم يفتحون النوافذ.
سيموت. أعرف هذا قبل أن أصل إليه. والسؤال الذي يشدّ قبضتي على الحواف ليس من يقتله. السؤال: حين يُرفع هذا الرجل من الغرفة، هل يخفّ الهواء؟
شيء صغير من نحاس على طاولة المطبخ: مِدَقّة، من النوع الذي يُهرَس به الثوم وتُدقّ به التوابل، لا اسم بطوليّ لها. أتخيّلها تنتقل — باردة، ثم دافئة بحرارة القبضة، ثم باردة على الأرض من جديد. لا أريد أن أسمّي الكفّ الآن. يكفي أنها أول شيء في هذا البيت يخرج من حجمه: أداة لهرس الثوم تحمل فجأة البيت كلّه — المال والغيرة والسنوات — ولا يتغيّر فيها شيء يُرى.
لماذا هذه بالذات؟ سكّينٌ كان يكفي. فأسٌ كان يكفي. ربما لأن الرعب لا يدخل من باب غريب، بل من الباب الذي عبرناه ألف مرة دون أن نلتفت. واليد التي تطبق عليها لا تشعر أنها تمسك سلاحًا؛ تشعر أنها تمسك شيئًا من البيت. من الأسرة. من نفسها.
لا أعرف. مجرّد ظنٍّ يخطر لي وأنا أُدير معصمي المتعب تحت الكتاب.
ثم يحدث ما يحدث خلف الباب المغلق.
والمدقّة تُترك على الأرض. الشيء الوحيد الذي كان يمكن وضعه، وُضع فعلًا. النحاس يبرد في دقائق.
أما ما مرّ فيه فلا.
لم يُرفع الثقل من البيت. قُسِّم.
يا فيودور بافلوفيتش،
النص لا يريني تلك الثانية. يترك الباب مغلقًا، والغرفة مظلمة، وينتقل إلى الصباح حيث يجدونك كما يُترك جسدٌ يُراد له أن يُنسى بسرعة. لكنني أريد أن أسألك: حين سمعتَ الخطوة تقترب، أعرفتَ صاحبها؟ وحين هوى ما هوى — أعرفتَه هو أيضًا؟ أكان غريبًا عن كفّك، أم شيئًا حملتَه أنت يومًا وأنت تُلوّح به في وجه خادم أو ابن؟
لا أحد سيجيبني. أنت الشخصية الوحيدة التي تتوقّف عن الكلام في منتصف الرواية، ثم تستمرّ الرواية مئات الصفحات من غيرك — وأنت في كل صفحة منها. يتكلّمون عنك في المحكمة، في الاعترافات، في الكوابيس. ولا أظنّهم يتكلّمون عنك.
أظنّهم يتنفّسونك.
وما يُستنشق لا يبقى هواءً طويلًا. يستقرّ.
بعد تلك الليلة لا أجد في الصفحات أربعة رجال. أجد أربعة حمّالين، لكل واحد نصيبه، ولا أحد منهم يعرف أين يضعه.
ديمتري نصيبه في القفص الصدري: هاويتان تتّسعان معًا — الجمال والعار — وقلبٌ لا يختار بينهما، يتّسع لهما ولا ينفجر. كم يزن ذلك؟ وأين يضعه رجلٌ لا يملك طاولة؟
وإيفان نصيبه يبدأ في الرأس ثم ينزل إلى اليدين: يفكّك أيّ إيمان إلى أسئلة، ثم يفكّك الأسئلة، حتى لا يبقى في الكفّ إلا رعشة.
وأليوشا نصيبه ما لم يطلبه الأب قطّ: الغفران. يحمله نيابةً عنه، ولا يعرف أنه يحمله.
وسميردياكوف واقف عند عتبة المطبخ، بين الابن والخادم، على بُعد خطوة من المكان الذي تُترك فيه الأشياء النحاسية. أظنّه النصيب الذي لم يُرد أحد الاعتراف به، لا لأنه أضعف، بل لأنه أقرب إلى اليد.
وكلّهم، حين يمرّون قرب المطبخ، تتباطأ خطاهم قليلًا دون أن يعرفوا لماذا.
وما لا يُرفع لا يبقى في بيت واحد.
في الدير — حيث يُفترض أن يكون الهواء أخفّ — يموت الشيخ زوسيما، وينتظر الجميع أن يفوح من جسده ما يشهد له. لكن الجسد لا يستمع إلى توقّعات أحد. يتعفّن كما يتعفّن أيّ جسد، وربما أسرع.
والرائحة التي هزّت إيمان أليوشا لم تكن غريبة عليه. كان يعرفها. شمّها في بيت أبيه قبل أن يموت فيه أحد.
لا أعرف إن كان الشكّ فكرة تُناقَش أصلًا، أم أنه رائحة تدخل الرئة قبل أن تصل إلى العقل. ولا أعرف أيّهما أثقل: أن أفقد إيماني برائحة جسدٍ أحببته، أم أن أكتشف أن الرجل الذي مات في ذلك البيت يحمل رائحتي أنا.
أضع كفّي على الصفحة المفتوحة وأسأل نفسي ما سألته له: هل أعرف الوزن الذي في كفّي الآن؟
في مطبخي شيء ثقيل من هذا النوع. أمسكتُه مرات كثيرة. ومرة واحدة فقط شعرتُ أن الكفّ تعرف أكثر مما تعرفه النية.
المعصم لم يعد وحده الآن. صعد الألم إلى الكتف، ثم إلى مكان أعمق لا اسم تشريحيّ له، حيث يجتمع التعب بالذنب فلا يُفرَّق بينهما.
لا أعرف. أعرف فقط أن يدي بدأت ترتجف تحت الكتاب، وليس في الغرفة برد.
أرفع الكتاب عن ركبتيّ. يخفّ المعصم فجأة تلك الخفّة الكاذبة التي تعقب حملًا طويلًا، حين تضع الشيء فيستمرّ الذراع في الاعتقاد أنه ما زال يحمله. أضع الكتاب على صدري وأستلقي.
وضعتُه، ولم يُوضع. لم يعد في الكفّ — هو الآن فوق القفص الصدري، ينزل مع كل زفير ويرتفع مع كل شهيق أبطأ مما كان قبل ساعتين.
أغمض عينيّ. الغرفة ساكنة، والهواء فيها ليس أخفّ مما كان.
وأنا مسجّى هكذا، والكتاب فوق صدري كغطاء لا يدفئ، لم أعد أعرف أيّهما يحمل الآخر الآن: أأنا أحمل الكتاب، أم الكتاب يحملني؟
