تجاوز إلى المحتوى
~/series/أطلس-الغيابتشريح الغياب · نصّ 5 من 7
READ 0%9 MIN LEFTWORDS 1,599
FILE 074 / 118 · تشريح-الغياب.md

§ قصص · أطلس الغياب · 5 / 7

تشريح الغياب

تشريح-الغياب.mdFILE 074 / 118
النوعقصص
التاريخ
المسودةأطلس الغياب — النصّ 5 من 7
القراءة9 دقائق · 1,599 كلمة
الإصدارحُرّر 2026-09-15
○ لم يُحفظ · 0%
لوحة زيتية لظلّ امرأة واقفة في باب مفتوح على الضوء، داخل غرفة مظلمة تتناثر على أرضها أوراق.
FIG. 01 · 1536×1024 · PNG

الفصل الأول

السابعة والنصف مساءً.

الممر يمتدّ بضوء النيون الأبيض، يهتزّ بترددٍ خافت لا يكاد يُسمع.
رائحة الكلوروهيكسيدين عالقة في زوايا السقف، تنزل ثقيلة على الكتفين كل بضع خطوات.
إيناس تمشي بمحاذاة الجدار، يدها اليمنى تسحب بطاقة الخروج من بين ورقتين، يدها اليسرى ساكنة بجوار الخصر.
خطواتها متساوية، الفاصل بينها لا يتغيّر.

عند المصعد، تتوقف.
تنظر إلى الزر دون أن تضغط.
الزر مضاء بضوء أصفر باهت.
تمدّ السبابة، تضغط، تسحبها.
الضوء يثبت.
ثلاث ثوانٍ.
أربع.
الباب يفتح.

في الداخل، مرآة معدنية باهتة.
وجهها فيها يبدو كما لو رُسم بقلم رصاص رفيع.
لا ملامح زائدة.
الجفنان ساكنان.
الفم مغلق على خط أفقي.

حين وصلت إلى الباب، كان آدم واقفًا في المدخل.
يداه على إطار الباب، ساعداه يمسكان الخشب من الجانبين كأنه يسند البيت كله.
لمعان رفيع في عينيه، يتحرك يمينًا ويسارًا، يبحث عن شيء في وجهها.

قال:
«إيناس.»
«نعم.»

فتح ذراعيه.
خطت خطوة، وضعت كتفها على صدره، يدها على ظهره.
الضغط: ثلاث ثوانٍ.
الانفصال.
مرّت من تحت ذراعه ودخلت.

في الحمام، فتحت الصنبور.
تركت الماء يجري.
وقفت أمام المرآة.
أصابعها تسلّقت وجهها: من زاوية الفك إلى عظمة الوجنة، إلى الصدغ.
حركة بطيئة، كأنها تتفقّد سطحًا غريبًا.

ثم أخرجت دفترًا صغيرًا من جيب معطفها، وضعته على حافة الحوض، وفتحت أول صفحة بيضاء.

من الغرفة المجاورة، صوت كرسي يُسحب.
صوت كأس يُملأ.
صوت آدم يتنحنح مرتين.
ثم لا شيء.
الصمت يمتدّ، طويلًا، عبر الجدار.

أغلقت الصنبور.
كتبت في الدفتر بخط واضح: «الإفاقة كاملة. الوظائف سليمة.»
نقطة.
لم تُضف شيئًا.

في تلك الليلة، نامت على ظهرها، يداها متوازيتان فوق الملاءة.
آدم نام على جانبه، ظهره إليها.
بينهما مسافة كفّ.

الستارة كانت مفتوحة قليلًا، شريط من الضوء البرتقالي يدخل من الشارع، يقع على الجدار فوق رأسها، يتحرك ببطء كلما مرّت سيارة.
ظلّ آدم على الجدار يكبر ويصغر مع الضوء.
لم تنظر إليه.
كانت عيناها على السقف.
السقف أبيض، نظيف، خالٍ من أي تفاصيل.


الفصل الثاني

في المطبخ، قهوة.
الفنجان الأبيض ذو الحافة المتشقّقة الذي يفضّله.
صبّت الماء عند اثنتين وتسعين درجة.
أضافت ملعقة ونصفًا.
حرّكت الملعقة ثلاث دورات.
وضعت الفنجان على الطاولة في المكان الذي اعتاد الجلوس فيه: على بُعد كفّين من الجريدة، ومقبضه يميل إلى اليمين بزاوية معروفة ليده.

دخل آدم.
شعره مبلّل.
وقف لحظة عند الباب.
نظر إلى الفنجان.
ثم نظر إليها.
مدّ يده، أمسك المقبض.
الفنجان في يده ارتجف ارتجافة خفيفة، فسقطت قطرة على الطاولة.
لم يمسحها.
جلس.

«صباح الخير،» قالت.
«صباح الخير.»

قعدت في مواجهته.
وضعت يدها فوق الطاولة، أصابعها مفتوحة، على بُعد سبعة سنتيمترات من يده.
لم يحرّك يده.
أبقتها هي في مكانها.
مرّت دقيقة.
ثم رفع الفنجان وشرب.

الجريدة بينهما.
لم يفتحها.
الستارة في الشباك خلفه كانت تتموّج قليلًا مع نَفَسٍ من الهواء يدخل من شقّ النافذة.
على حافة المغسلة، صحن من البارحة فيه بقايا خبز يابس.
النملة الأولى تمشي على الحافة، ثم تختفي تحت الصحن.

«كيف تنامين؟»
«جيدًا.»
«وقت الدواء؟»
«التاسعة. والثالثة. والتاسعة.»

هزّ رأسه.
أنزل الفنجان.
مدّ يده نحو الجريدة، رفعها، فتحها.
خفي وجهه خلفها.
الورق بينهما حائط رقيق.
أصابعه على الحواف بيضاء من الضغط.

في الليل، في السرير، اقتربت منه.
وضعت يدها على صدره، عند منتصف عظمة القصّ.
حرارة جلده عبر القميص: درجة وكسر فوق المعتاد.
رفعت رأسها.
شعرها وقع على وسادته.
عيناها كانتا تبحثان عن نقطة محدّدة في وجهه: نقطة بين الحاجبين، حيث يلتقي الجلد بالعظم.

أمسك معصمها، رفعه، أنزله جانبًا.
لم ينظر إليها.
قال إلى السقف:

«لا تفعلي هذا.»
«ماذا؟»
«هذا.»

ثم استدار، أعطاها ظهره.
شفته السفلى انغرست بين أسنانه، شيء صغير، حركة صغيرة لم ترها.
ذراعه اليمنى تحت الوسادة، أصابعه مقبوضة.
بقي على هذا الوضع طويلًا.
كان يتنفّس بعمق، ثم يحبس النفس، ثم يطلقه ببطء.
مرة، مرتين، ثلاث.هي ظلّت على ظهرها.
أخذت الدفتر من على الطاولة الصغيرة، أشعلت ضوء القراءة.
كتبت سطرًا واحدًا، ثم أطفأت الضوء.


الفصل الثالث

المرسم في الطابق السفلي، آخر الزقاق.
باب خشبي ثقيل، مفتاحه نحاسي قديم.
منذ شهر تقريبًا وآدم يخرج إليه عند العصر، يعود متأخرًا.

يوم الخميس.
الساعة السادسة.
إيناس تقف عند نهاية الزقاق، في الزاوية المظلّلة.
الجو دافئ، ضوء النهار يميل إلى الأصفر.
حقيبتها على كتفها، الدفتر في يدها.

الباب موارب.
من الداخل، رائحة زيت التربنتين تنزلق إلى الزقاق.
صوت موسيقى خافتة، آلة وترية وحيدة.
اقتربت ثلاث خطوات.
وقفت خلف عمود الكهرباء.
من الفجوة، رأت.

آدم يقف أمام الحامل.
قميصه ملطّخ بألوان قديمة.
وراءه فتاة، شعرها أسود طويل ينسدل على كتف واحد، يداها رفيعتان، لا تلمسان شيئًا، تتحرّكان في الهواء فوق اللوحة كأنهما تقرآنها.

«هنا،» قالت، «هذا الظلّ… ليس فقط أسود.»
«لا.»
«فيه شيء يخصّك. شيء لا يقوله الأسود الوحيد.»
«مثل ماذا؟»

سكتت.
أنزلت يدها.
اقتربت من الحامل، وضعت إصبعها قريبًا من القماش، دون أن تلمسه.
بقيت هكذا.
ثم قالت:

«مثل صوت لم يخرج بعد.»

آدم نظر إليها.
لم يقل شيئًا.
لكن كتفه نزل، الكتف الذي كان مرفوعًا قليلًا منذ دخلت إيناس إلى البيت قبل ستة أسابيع.
نزل، استرخى، صار له شكل آخر.

ضحكت الفتاة ضحكة قصيرة.
ضحك آدم.
ضحكة بدت قادمة من بئر بعيدة، مغبشّة، لكنها ضحكة.
ضحكة لم تسمعها إيناس منذ زمن لا تتذكر بدايته.

في الزقاق، خلف العمود، يدها أمسكت بطرف الدفتر.
ثم انحلّت قبضتها.
الدفتر سقط على الأرض.
صوت ارتطامه مع الإسفلت كان أقلّ من صوت ضحكتيهما.

انحنت، التقطته.
لم تفتحه.
مشت إلى نهاية الزقاق، إلى الشارع، إلى السيارة.
جلست خلف المقود.
وضعت الدفتر على المقعد المجاور.
لم تشغّل المحرك.
الزجاج الأمامي كان متّسخًا ببقايا مطر قديم، دوائر صغيرة من الغبار الجاف.
عبر الزجاج، الشارع كان مائلًا قليلًا، مكسورًا عند الحواف، كأن أحدًا نظر إليه من ماء.

بقيت في السيارة حتى أُضيئت أعمدة الإنارة.


الفصل الرابع

الحالة 003. سامي.

الغرفة 412.
السرير قرب النافذة.
هو جالس، ظهره إلى الوسادة، عيناه إلى البقعة فوق الباب، حيث رسمٌ قديم بقلم رصاص لطفلٍ غائب.
شعره طويل قليلًا، لحيته نمت بشكل غير منتظم.
اليد اليمنى على الفخذ، اليد اليسرى على الفخذ، الراحتان لأعلى.
الأصابع لا تنقبض.

دخلت إيناس.
وقفت عند طرف السرير.

«سامي.»

عيناه تحرّكتا بضعة ميلليمترات، ثم عادتا.

«سامي، أنا الدكتورة إيناس.»

سكوت.
مرّت ممرضة في الممر، تجرّ عربة معدنية.
الصوت كان من غرفة بعيدة.
في الغرفة، لا شيء.

اقتربت، جلست على الكرسي بجوار السرير.
أخرجت الدفتر.
لم تفتحه.
وضعته على ركبتها.
نظرت إلى يديه.
أظافره طويلة.
على ظفر الإبهام بقعة بيضاء صغيرة.
على الجلد أسفل الإبهام، أثر قديم لجرح، خط أبيض رفيع.

«هل تأكل؟»

سكوت.

«هل تشعر بالعطش؟»

سكوت.
ثم، حركة في الحلق، بَلْعٌ جاف.
لا أكثر.

في الممر، ليلى كانت تنتظر.
ذراعاها متقاطعتان.
كانت تنظر إلى الأرض.
حين رفعت رأسها، عيناها كانتا حمراوين قليلًا عند الزوايا.

«تعالي.»

دخلتا مكتبها.
ليلى أغلقت الباب بكفّها، دفعة هادئة.
وقفت خلف المكتب.
على المكتب فنجان قهوة بارد، كتاب مفتوح، ورقة فيها خط يدها بقلم أزرق.

«اقرئي،» قالت، ودفعت الورقة.

إيناس قرأت السطر الأول.
ثم رفعت عينيها.

«هذا تقريرك،» قالت ليلى. ««تحسّن وظيفي شامل. كفاءة إدراكية معزّزة.» هذه ليست لغة شخص يتحدث عن نفسه.»
«إنها اللغة الأدقّ.»

ليلى وضعت كفّها على المكتب، فوق الورقة.
ضغطت.
لم تضرب.
الضغط فقط، حتى ابيضّت عقدها.

«إيناس. منذ متى نعرف بعضنا؟»
«اثنتا عشرة سنة.»
«اثنتا عشرة. وقد رأيتك تبكين على مريض. وقد رأيت يديك ترتجفان قبل أن تدخلي على عائلة. الآن انظري إلى يديك.»

نظرت إيناس إلى يديها.
كانتا فوق الدفتر.
ساكنتين تمامًا.

«هذا ما أردته،» قالت.
«أنتِ لا تعرفين ما أردتِ. كنتِ تظنّين أنكِ تُزيلين شيئًا مزعجًا. أزلتِ شيئًا آخر.»

سكتت ليلى.
نظرت إلى النافذة.
الشمس كانت قد مالت، الضوء على المكتب كان برتقاليًا ثقيلًا.

«اذهبي إلى البيت. انظري إلى زوجك. فقط انظري إليه.»

إيناس وقفت.
أخذت الدفتر.
عند الباب توقّفت، يدها على المقبض.
لم تستدر.

«ليلى»
«نعم»
«سامي… متى توقّف عن الكلام؟»
«قبل عشرة أيام»
«ولماذا الآن جئتم بي؟»

ليلى تنفّست نفسًا طويلًا.

«لأنه لم يعد هناك سبب للانتظار»


الفصل الخامس

الباب الخلفي للمرسم.
مفتوح.
الساعة قاربت العاشرة.
الزقاق فارغ إلا من قطة صغيرة عند صندوق القمامة، تأكل شيئًا لا يُرى.

من الداخل، صوت.
صوت قماش يُمزَّق، طويل، بطيء، كأن أحدًا يفتح أحشاء حيوان بسكين تجد طريقها بصعوبة بين الألياف.

دخلت.
وقفت في الظلّ قرب الجدار، خلف رفّ الأصباغ.

آدم في وسط الغرفة.
اللوحة الكبيرة، تلك ذات الأصفر الكادميومي والأزرق، كانت بين يديه.
ممسكها من الإطار العلوي.
سحبها.
نزلت.
وضعها على الأرض.
ركع فوقها.
أمسك حامل فرشاة طويلًا، كأنه عصا.
أنزله في مركز اللوحة.
الصوت: قماش قديم مشبَع بالزيت، يُفتح من الداخل.

سحب الحامل.
أنزله مرة أخرى.
ومرة.
أصابعه على المقبض بيضاء عند العقد.
كتفه يصعد ويهبط مع كل ضربة.
شعره يقع على جبينه، يلتصق بالعرق.
لا صوت يخرج من فمه.
فمه مفتوح قليلًا، كأنه نسي إغلاقه.

اللوحة الثانية: محاولة لرسم نهر، نهر لم يكن قد أكمله.
أمسك حافتها، شدّها عن الإطار بحركة واحدة.
الصوت: قطعة نسيج تنفتح.
ألقاها على الأرض فوق الأولى.

الثالثة.
الرابعة.
الخامسة.

عند السادسة، توقّف.


اللوحة في يديه كانت أصغر، مربعًا صغيرًا.
بقي ممسكًا بها.
طويلًا.
ثم أنزلها على ركبتيه.
وضع كفّه فوقها.
لم يمزّقها.

ركع وسط الحطام.
القماش الممزّق حوله كأوراق خريف لم يسقط شجرها بعد.
كتفاه تهبطان.
ثم ترتفعان.
ثم تهبطان.
لا صوت.
وجهه إلى الأرض.
شيء يلمع على ظهر يده، قطرة، ثم أخرى.

إيناس في الظلّ.
كفّها على الجدار، باردة على الجصّ.
الجصّ خشن، فيه حبيبات صغيرة.
عيناها على ظهره.
على قفاه، حيث ينمو الشعر في خط غير مستقيم.
على الأذن اليمنى، التي تحمل ندبة قديمة من طفولته، خط رفيع تعرفه.

في صدرها، شيء يضغط.
ليس ألمًا.
ليس انقباضًا.
شيء أثقل، شيء له وزن.
شيء يملأ مكانًا كانت تظنّه فارغًا.

لم تخرج من الظلّ.

أخرجت الدفتر.
فتحت صفحة فارغة.
بقيت يدها على الورقة، القلم بين أصابعها.
الورقة بيضاء.
القلم أسود.
لا مسافة بينهما إلا ميلليمترات قليلة.

كتبت: «أنا.»
نقطة.

ثم، بعد لحظة، شطبت النقطة.
ثم تركت السطر.
ثم أغلقت الدفتر، بهدوء، ووضعته على الأرض بجانب قدمها.

في الوسط، آدم رفع رأسه ببطء.
لم ينظر إليها.
نظر إلى السقف.
السقف كان عاليًا، فيه أنبوب ماء قديم، تحته بقعة رطوبة قديمة.
بقي ينظر طويلًا.

ثم، دون أن يلتفت، قال بصوت لم يخرج كاملًا:

«إيناس.»

في الظلّ، شيء تحرّك.
كفّها انفصل عن الجدار.
خطوة واحدة.
توقّفت.
خطوة أخرى.
الظلّ تركها ودخلت في الضوء الباهت الذي كان قد بقي من المصباح المعلَّق فوق الحطام.

لم تتقدّم أكثر.
لم تتراجع.

كانت واقفة، فقط واقفة، في المنتصف بين البابين.

انتهى النصّ · نُشر 2026-04-19 · آخر تحرير 2026-09-15
سلطانكاتب ومطوّر

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.

الرسالة

NEWSLETTER

حين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.

بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.