الورقة أمامي منذ ساعة.لم أكتب شيئًا يستحق البقاء.رائحة الحبر القديم تملأ الغرفة، كثقيلة بطريقة لا يفسّرها الورق وحده.كأن الكلمات نفسها ترفض أن تُحمل،تقاوم أن تُصاغ،تفضّل أن تبقى عالقةفي مكان ما بين الرئة والفم.
أمسك القلم.أتركه.
الجملة الأولى دائمًا تكذب.
الورقة بيضاء.ليس البياض المريح،بل ذاك الذي يعكس وجهك حين تحاول ألا تراه.أمدّ يدي وأتلمّس الحافة،الورق بارد بشكل لا يفسره الطقس،وأفكّر أن المسافة بين ما أريد أن أقوله وما يمكن تسميته ليست مسافة لغوية.بل جسدية. تُقاس بسنتيمترات بين الحنجرة والفم،بين ما يجري تحت القفص الصدريوما يصل إلى السطح.
في الغرفة المجاورة صوت يتحرك.خطوات.ثم لا شيء.ثم الصمت الذي يتشكّل من بقايا الصوت،أكثف مما كان قبله،مادة تضغط على طبلة الأذن وتجعل الأفكار تسمع نفسها.
أكتب.أمحو.
فكّر في تلك الكلمات التي قرأتها:«أنا امرأة، أنا إنسانة حية»أجلس مع الجملة.لماذا احتاجت إلى أن تُقال؟
لماذا تصير البداهة شعارًا؟
النهر لا يُعرّف نفسه لمن يشرب.التفاحة لا تعلن أنها تفاحة.فقط ما أُعيق عن الوجود يحتاج أن يصرخاسمه في الهواء.وأنا، حين أسمع هذا الصراخ، ماذا كنت؟هل كنت من يفتح الباب؟أم من يبني الجدار دون أن يلتفت؟
أضع القلم.هناك ثقل في منطقة ما بين الكتفين.ليس ألمًا بالمعنى الدقيق،أقرب إلى شيء متراكم،كما يتراكم الغبار على رف لم يُمسّ،يصير مع الوقت طبقة،يصير مع الوقت جلدًا ثانيًا لا تشعر به لأنه صار أنت.
أتذكر الكرّاسة الزرقاء.ليس لأنني رأيتها،بل لأنني أفهم ذلك المكان الذي يخلقه الإنسان حين لا يجد مكانًا يكون فيه كاملًا. سطح لا يطلب منك إذنًا لتجلس عليه.ورقة لا تحكم عليك.لكن بعضهم يُمضي حياته كلها في البحث عن إذن لفتحها.
صوت الماء في الأنبوب البعيد.قرقرة خافتة تمر عبر الجدران كأنها ذاكرة البيت،طبقات من أصوات من مشوا هنا،أسئلة طُرحت في الليل ولم يسمعها أحد،أو سمعها أحد وآثر الصمت.
أسأل نفسي:ماذا يبقى من الجسد حين يُعاش كممتلكية؟يبقى سطحه. يبقى شكله.يذهب داخله إلى مكان لا اسم له.وماذا يبقى ممن يمتلك؟ممن يحرس ويُحصي ويقيس؟هل يبقى هو نفسه سالمًا؟أم أن شيئًا فيه أيضًا يذهب،بهدوء، دون أن يلاحظ؟
الورقة ما زالت شبه فارغة.كلمات قليلة في الأعلى ومسافة بيضاء تمتد.أنظر إلى ما كتبت.أنظر إلى ما لم أكتب.ربما الفراغ أصدق.ربما ما ينبغي أن يُقال عن الجسد،عن الحق في أن يُحَب دون أن يُهرَّب،كان ينبغي أن يكون الصفحة الأولى في كل شيء، لا السؤال الذي يتسرّب خلسة في الليل.
القلم بين أصابعي.رائحة الحبر ما زالت هنا.ثقيلة.تشبه شيئًا كان ينبغي أن يُفهم من زمن بعيد.