§ شذرات
الذاكرة رسّامة

نحسب أنّ الذاكرة تحفظ ما كان. لكنّها تعيد بناءه في كلّ مرةٍ نستدعيه — تُدفئ لون الضوء في تلك الغرفة، تُخفّف حدّة الصوت الذي أيقظك، تضيف عطرًا لم يكن هناك. حتى يصبح الماضي منحوتةً صنعتها يداك لا نسخةً ممّا عشته. كمرآةٍ تتشقّق ببطء: الوجه موجود، لكنّ الملامح انزاحت. ما نسمّيه تذكُّرًا هو شكلٌ رحيمٌ من أشكال التأليف.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 1 / 14الذاكرة لا تحفظ ما حدث — بل تحفظ ما كنتَ تشعر به وهو يحدث، ثم تختلق أحداثًا تُناسب ذلك الشعور. لذلك يتذكر شخصان الموقف نفسه بروايتين مختلفتين: لأن كلًا منهما لا يتذكر الواقعة بل يتذكر نفسه فيها. الذاكرة ليست أرشيفًا بل رسّامًا: تأخذ الانفعال وتصنع له مشهدًا يليق به. ومع كل استرجاع يُعاد رسم المشهد بفرشاة مختلفة، حتى لا يتبقى من الأصل شيء سوى اليقين بأنه حدث. ذلك الطعم الغريب الذي يظهر في فمك حين تتذكر خبرًا مؤلمًا — طعم معدنيّ، كأنك عضضتَ على شيء صلب — هو الشيء الوحيد الذي لا تستطيع الذاكرة تزويره، لأن الجسد لا يُتقن الكذب بعد.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 2 / 14الذاكرة لا تخزّن الأحداث. تخزّن درجة حرارتها. لهذا ننسى ما قيل في ذلك المساء ونتذكّر برودة المقعد، وثقل الهواء، وأن شيئًا ما في الغرفة كان يُغلَق — لا الباب، ولا النافذة. شيءٌ آخر.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 3 / 14ليست الذاكرةُ خزانةً نفتحها متى شئنا؛ بل كائنٌ غريبٌ يسكن فينا، يُسلّمنا وجوهًا دفنّاها منذ عقد، ويُخفي عنا ما قلناه البارحة. ما نسمّيه تذكّرًا ليس فعلًا منّا، بل انصياعٌ لاختيارها. ولهذا، حين نبكي على شيءٍ منسيّ، إنما نبكي لأن الذاكرة سمحت له، في هذه اللحظة بالذات، بأن يعود.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 4 / 14الذاكرة لا تحتفظ بما حدث. تحتفظ بما لم تستطع هضمه. لهذا تتذكّر رائحة معطفها أكثر من وجهها. ولهذا تنساك لحظات كاملة من الفرح وتبقى لحظة واحدة وقفتَ فيها عند الباب ولم تطرقه.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 5 / 14الذاكرة انتقائية بشكل وحشي. تمحو تفاصيل أساسية من أيام مهمة، وتحتفظ بلحظة عابرة: رائحة قهوة في صباح عادي، نظرة من غريب في الشارع، صوت باب يُغلق في بيت لم تعد تسكنه. كأن النفس تعرف أن الحقيقة ليست في الأحداث الكبرى، بل في الشقوق الصغيرة التي تسرّبت منها الحياة دون أن ننتبه.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 6 / 14ليست الذكريات السيئة ما يوجع. بل تلك اللحظات الكاملة، المستديرة، التي لا شائبة فيها. ضحكة في مكانٍ لم يعد موجودًا، دفء جسدٍ لم يعد قريبًا. الجمال حين يصير ماضيًا يتحول إلى نوعٍ من الزجاج — نرى من خلاله ولا نستطيع لمسه، وأحيانًا يجرح بحوافه.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 7 / 14الرائحةُ وحدها تُعيدنا إلى زمنٍ لم نخترْ تذكّره. الصورُ والأصوات تحتاج إلى إرادةٍ منّا، أما الرائحة فتقتحم الذاكرة من بابٍ خلفيّ لم نعلم بوجوده. ولذلك يبكي أحدُنا، دون مقدّمات، حين يمرّ بمطبخٍ غريب: لأن جسدَه تذكّر قبل أن يتذكّر، وشعر قبل أن يفهم لماذا.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 8 / 14قال لنفسه إنه تجاوز الأمر. ثم فتح درجًا قديمًا بالخطأ ووجد رائحة لا تخصّ شيئًا محددًا. وقف ثانيتين. أغلق الدرج. ولم يُكمل ما كان يبحث عنه.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 9 / 14يفتح ألبوم الصور لا لأنه يشتاق، بل ليتأكد أن ما يتذكره حدث فعلًا. الذاكرة حين تتكرر كثيرًا تفقد ملمسها، تصير أشبه بقصة سمعها من غيره.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 10 / 14الصور التي نلتقطها لا تحفظ اللحظة؛ بل تُحلّ محلّها. بعد سنوات، لا نتذكّر ما حدث، بل نتذكّر الصورة التي أخذناها، ونحسبها الذاكرة. الكاميرا، في هذا المعنى، ليست أداةَ حفظ، بل أداةَ نسيانٍ مرتّب: نسلّمها ما لا نريد أن نحمله، فتعفينا من عبء التذكّر الحقيقيّ.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 11 / 14الصورُ القديمة لوجوهنا تصدمنا لا لأننا تغيّرنا، بل لأنّنا نتذكّر، فجأةً، أنّنا كنّا نعيش دون أن ندري أنّنا نعيش لحظةً ستصبح ذكرى. الوعيُ بأن كلّ لحظة ستُصبح ماضيًا هو عبءٌ لا نحتمله دائمًا، ولذلك نُغلق الألبوم سريعًا: لأن في فتحه تذكيرًا بما نحن فيه الآن.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 12 / 14النسيان ليس فقدانًا — هو تحريرٌ لم يُطلَب. الذاكرة لا تحذف بل تُعيد الترتيب: ما يُنسى لا يختفي، بل يتراجع إلى طبقة لم يعد الوعي يراها، ومن هناك يواصل التأثير دون أن يُسمّى. الشيء المنسيّ يشتغل في العتمة بكفاءة أعلى ممّا كان يشتغل في الضوء، لأنه تحرّر من رقابة الوعي وصار يتحرّك كعادة لا كقرار. النسيان لا يمحو الأثر — يحوّله إلى بنية.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 13 / 14الإنسانُ ليس كائنًا يعيش؛ هو كائنٌ يروي. نحن لا نمرّ بالأحداث ببساطة، بل نبني منها قصصًا لحظةً بلحظة. الحياةُ نفسها ليست تجربةً خامًا؛ هي روايةٌ نكتبها ونحن نعيشها، ونصدّقها لاحقًا بوصفها الحقيقة. ما حدث لنا فعلًا قد يكون مختلفًا كثيرًا عمّا نتذكّره أننا عشناه.
من مجموعة «الذاكرة رسّامة» · 14 / 14
الرسالة
NEWSLETTERحين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.
بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.