تمتدّ اليد قبل أن تسمع.
هذا أوّل ما في الأمر، وأصعبه: أنّ اليد كانت ممدودةً سلفًا، قبل أن يأتي من يَعِد، قبل أن تُقال كلمة واحدة. الجوع سابقٌ على الطعام، والفم ينفتح قبل أن تقترب الملعقة. ثمّة ميلٌ في اللحم نفسه، انحناءةٌ خفيفة نحو ما لم يصل بعد، كأنّ الجسد يعرف أنّه ناقص، وأنّ في الخارج شيئًا قد يسدّ النقص.
ولا يكون الجوع جوعًا إلى الخبز وحده؛ ثمّة جوعٌ إلى يدٍ تقول: خذ. إلى صوتٍ يؤكّد أنّ في الخارج ما يكفي، وأنّ المرء ليس متروكًا وحده مع نقصه.
لا أحد يختار هذا الميل. يأتي به المرء كما يأتي بالعطش: لا يستدعيه، ولا يملك أن يرده بإرادته.
ثمّ يأتي الوعد.
يَطرق طَرقةً خفيفةً على الباب. وقبل أن يقول ما يقول، تكون اليد قد بدأت طريقها نحوه.
في تلك اللحظة الضيّقة — بين الطرق وبين أن يُفتح الباب — يحدث شيءٌ يمرّ عليه المرء سريعًا كي لا يراه: الجسد يشكّ.
ليس شكًّا له كلمات.
انقباضةٌ صغيرةٌ تحت الضلوع، تردّدٌ في المفصل، برودةٌ عابرةٌ تمسّ الكفّ الممدودة. الجسد يعرف، بطريقته الصمّاء، أنّ ما خلف الباب قد لا يكون بحجم الجوع.
ومع ذلك تُكمل اليد طريقها.
تفتح.
لأنّ الوقوف أمام بابٍ مغلقٍ والمعدةُ فارغةٌ أشدّ من أن يُحتمَل، ولأنّ وعدًا قد يخيب أرحمُ من فراغٍ لا وعد فيه.
ها هنا، عند العتبة، لا مكان للّوم. مَن يلوم فمًا جائعًا على انفتاحه؟
ثمّ — وهذا أغربه — لا تُسرع اليد.
تمسك الوعد كأنّه ظرف، ولا تفتحه. تُديره بين الأصابع كشيءٍ يعرف صاحبه، في مكانٍ ما، أنّه يعرف ما فيه؛ ويُبطئ كأنّه لا يعرف.
فالوعد ما دام مغلقًا يبقى كاملًا، وكلّ الاحتمالات فيه حيّة، ولا احتمال خاب.
الليلة التي تسبق العيد أحلى من العيد؛ ينام المرء فيها نومًا هادئًا والصباحُ في جيبه، لم يُصرَف منه شيء، لم تنقص منه فرحة. الانتظار نفسه طعام، والنشوة ليست في أن يصل ما يُنتظَر، بل في أنّه ما زال يُنتظَر.
والأمل، في هذا، يدٌ تدفع إلى الأمام تارة، ووسادةٌ يُسنِد إليها المرء رأسه لئلّا يرى تارةً أخرى.
ولهذا لا يفتح الظرف أمام من يَعِده ليتأكّد؛ يخاف أن يفتحه، لأنّ في الفتح خطرَ أن يجده فارغًا، وفي إبقائه مغلقًا تبقى المعدة على وعدها. وإذا همس صوتٌ بأنّ الظرف قد يكون خاويًا، أسكته المرء؛ لا لأنّه يجهل، بل لأنّ السؤال الذي يُنهي الحلاوة لا يُطرَح في وقته.
الوهم، قبل أن يكون كذبةً عن العالم، تأجيلٌ للحظةِ المعرفة.
غير أنّ الظلّ يبدأ في الظهور.
دائمًا ثمّة ظلّ.
زاويةٌ في الوعد لا يستقيم فيها الضوء، خيطٌ بارد، شيءٌ في وجه الواعد لا يُطابق كلامه تمامًا.
ولأنّنا لسنا عميانًا — وهذه أصعب نقطةٍ في الأمر كلّه، أنّنا لسنا عميانًا — نرى الظلّ. نراه لحظة.
ثمّ نفعل شيئًا دقيقًا جدًّا، حركةً يكاد المرء لا يُحسّ بها وهو يؤدّيها: نُدير المرآة قليلًا، بزاويةٍ لا يعود فيها الظلّ واقعًا في نظرنا.
لا نكسرها، ولا نُغطّيها؛ هذا فظّ، يُشعرنا أنّنا نُخبّئ شيئًا. الحيلة أرقّ: نقف حيث لا نرى ما لا نريد أن نراه.
نُؤثر ضوءًا نعرف أنّه كاذبٌ على عتمةٍ صادقة، لأنّ العتمة تتركنا لحظةً بلا أرضٍ تحت القدم.
هذه ليست خدعةً يصنعها بنا أحد. هذه خدعةٌ نُتقنها بأيدينا، ثم نندهش من إتقاننا لها.
ومن أين لنا، بعد هذا، أن نُشهر السبّابة في وجه من باعنا الوهم، ونحن اشترينا منه بهذه الرغبة، وأكملنا نحن ما بدأه، ورمّمنا بأيدينا الشقَّ الذي تركه في بضاعته؟
ثمّ إنّ المرء لا يقف وحده.
حول الوعد دائرةٌ من أيدٍ ممسكةٍ بأيدٍ، والجالسون في المجلس يعرفون ما لا يُقال؛ كلٌّ يرى ظلّه الخاصّ، ولا أحد يُدير وجهه ليُري الآخرين ظلّهم. اتّفاقٌ صامتٌ معقودٌ في الهواء: لا أكشف ظلّك فلا تكشف ظلّي.
ولو أنّ يدًا واحدةً أفلتت، لو قال أحدٌ بصوتٍ مرتفعٍ ما تراه العيون كلّها وتسكت عنه، لما كان ذلك خروجًا؛ لكان سقوطًا.
مَن يُفلت اليد لا يصير حرًّا؛ يصير وحيدًا، والبرد الذي ينتظره في الخارج أقسى من ضيق ما يُمسكه الجميع لأنّ الجميع يُمسكونه.
ولهذا نتمسّك، لا لأنّنا نُصدّق، بل لأنّ الإمساك أدفأ. ونُصفّق حين يُصفّق الناس؛ فاليد التي تتأخّر عن التصفيق تبقى وحدها مكشوفةً في الهواء.
ويقول أحدنا «هذا قدري» لأنّ الكلمة تُغلق بابًا على سؤالٍ يُخيفه، ويسمّي الخروجَ «عيبًا» كي لا يدفع ثمنه وحده.
وفي هذا كلّه، ثمّة شاهدٌ واحدٌ لا يُصفّق: الجسد.
العقل يُفاوض.
يجد الكلمات، ويرتّب الأعذار، ويُسمّي الظلَّ ضوءًا خافتًا. بل يعود إلى الوراء فيُعيد ترتيبه: العلاقة التي انتهت يعيد روايتها كأنها كانت حتميّة منذ البدء، فيقول «كنتُ أعرف من البداية»، وهو لم يكن يعرف.
أمّا الجسد فلا يُفاوض.
الجسد يعرف باكرًا، قبل أن تبلغ الكلمةُ الأذن. المعدة تنقبض قبل أن نسمع الخبر، كأنّها سمعته أوّلًا من بابٍ لا يمرّ باللغة.
وأصدق ما في هذا كلّه يدٌ تمسك يدًا باردة وتقول: «لا تزال دافئة». الإصبع يعرف الحرارة، ويعرف غيابها.
لكنّ الفم لا يريد أن يبقى وحده مع ما عرفته اليد.
وليست الغرابةُ في أنّنا لا نعرف. الغرابة في أنّنا نعرف ونُكمل.
الإصبعُ على البرودة، والفمُ على الدفء، والاثنان فينا معًا، لا يتنازعان حتى، بل يتقاسمان العيش بهدوءٍ غريب.
وتحت هذا كلّه شيءٌ أقدم من الكذب، أقدم حتى من الخوف من الحقيقة: العار.
خلف كلّ ما نُسدله جلدٌ يحمرّ، ولا يحتاج هذا الاحمرارُ إلى عينٍ تراه؛ يكفي أن يعرف صاحبه.
نطلب ما يستر لا خوفًا من عين الآخر وحدها، بل خوفًا من أن نرى أنفسنا عُراةً أمام أنفسنا.
ومَن رأى نفسه هكذا مرّة، عاريًا بلا ستر، يفهم لماذا لا نرفع ما يستر؛ بل تمتدّ الأصابع بين الحين والحين لتتأكّد أنّه في مكانه.
والآن — وقد صار كلّ هذا معروفًا — تقف اليد على الغطاء.
ثمّة نائمٌ تحت غطاءٍ رقيقٍ في غرفةٍ باردة. قد يكون النائم سواك، وقد تكون أنت.
ما تحته ليس دفئًا حقيقيًّا بل وهمُ دفء — غير أنّ النوم تحته نومٌ حقيقيّ، والراحة التي فيه راحةٌ تُحسَب.
ويدٌ على طرف الغطاء.
لو سُحب، لاستيقظ النائم على الضوء القاسي والبردِ الصادق. ولو سُحب، لما كان ذلك بالضرورة رحمة.
مَن يُوقَظ من نومٍ طويلٍ لا يشكر موقظه أوّل الأمر؛ الضوء يؤلم العين التي ألِفت العتمة، والصحوة لا تأتي تنويرًا فرِحًا، بل أقربَ إلى حِداد: حِدادٌ على دفءٍ صُدِّق.
مَن أفاق يعرف أنّ شيئًا قد فُقد، وإن كان المفقودُ كذبة.
ولهذا تتردّد اليد على الطرف.
لا لأنّها لا تعرف، بل لأنّها تعرف الثمن: أنّ ما خلف الغطاء حريةٌ ثقيلة، وأنّ القفل الذي طالما شكونا منه مفتوحٌ منذ زمن.
ومع ذلك لا ينهض أحد، لأنّ النهوض يعني أن يمشي المرء وحده في البرد.
فهل نسحب الغطاء؟
اليد ما زالت هناك، على الطرف. لم تسحب، ولم تُرخِ.
والنائم — أيًّا كان — يتنفّس بهدوء، ويعرف في موضعٍ منه لا يُسمّيه أنّ الغطاء رقيق، وأنّ البرد لم يغادر الغرفة.
