§ شذرات
ما يوقظه الحبّ

الاهتمام في بدايته لا يشبه الحب — يشبه الترجمة. أن تهتم بشخص يعني أنك بدأت تقرأ تفاصيله بلغة لم يُعلّمك إياها. تلاحظ ما لا يقوله، وتسمع ما لا يشكو منه، وتملأ فراغاته بافتراضات تظنها فهمًا. لكن المفارقة أن الاهتمام كلما زاد، ابتعد عن صاحبه واقترب منك أنت. تصير تهتم لا بما يحتاجه الآخر فعلًا، بل بالصورة التي بنيتها له — وكل انحراف عن تلك الصورة تعامله كخيانة. مَن يفرط في الاهتمام لا يرى الآخر، بل يرى المرآة التي صنعها من عظامه — ثم يغضب حين لا ينعكس فيها الوجه الذي كان ينتظره.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 1 / 13نقول إننا نحبّ الآخرين كما هم. لكننا في الغالب نُحبّ الصورة التي رسمناها لهم داخلنا — نحفظ طريقة ضحكتهم ونُعيدها في غيابهم حتى تصبح أملسَ من الأصل. تلك الصورة تملأ فجواتنا بالضبط كما يملأ الضوء شكل النافذة. حين يتصرّف الآخر خارج الصورة، نقول إنه تغيّر. بينما الحقيقة أنه لم يكن يومًا ما رأينا. كنا نحب انعكاسنا في عينيه.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 2 / 13نحتفظ بوجهٍ واحد لكل شخص نعرفه. ليس لأننا لا نراهم، بل لأن رؤيتهم كاملين تعني أن نُعيد ترتيب كل شيء. الثبات أرخص من الفهم.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 3 / 13الصداقةُ الطويلة تكشف شيئًا مزعجًا: أن الناس يتغيّرون، لكنّهم لا يُخبرون أحدًا. نكتشف، بعد عقدٍ من القرب، أن من نعرفه ليس هو. لم يكذب علينا؛ فقط تَحوّلَ ببطءٍ، ونحن لم ننتبه لأننا كنّا نراه كلّ يوم. المسافةُ أحيانًا تكشف ما تُخفيه الألفة: أننا لا نعرف فعلًا من نحبّ، بل نعرف صورتَه التي تعوّدنا عليها.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 4 / 13نظنّ أنّنا نختار مَن نحبّ. لكنّنا في كثيرٍ من الأحيان نختار مَن يعيد تنشيط جرحٍ قديمٍ نعرف إيقاعه — نفس الصمت المفاجئ على الهاتف، نفس الوزن في المعدة حين يتأخّر الردّ، نفس رائحة الانتظار. النفس لا تبحث عن الراحة بقدر ما تبحث عن المألوف، حتى لو كان المألوف هو الألم ذاته. كالمسافر الذي يعبر مدنًا بأكملها ثمّ يتوقّف حين يسمع صريرَ بابٍ يُشبه بابًا كان يُغلق كلّ ليلة. نحن لا نقع في الحبّ — نقع في التكرار.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 5 / 13الحبُّ ليس اكتشافًا لشخصٍ، بل اكتشافٌ لجزءٍ منّا كان نائمًا، يُوقظه حضورُ ذلك الشخص. ولهذا، حين ينتهي، لا نحزن على المحبوب وحده؛ نحزن على النسخةِ التي عُدنا دونها، على ذلك الذي كنّاه معه وانقطعَ عنّا. الفراقُ يسرق اثنين: الآخر، وجزءًا منّا لا يعرف كيف يعود.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 6 / 13ما نحبّه في شخصٍ ما هو غالبًا ما يُفزعنا منه لاحقًا. الصفةُ التي جذبتنا إليه أوّلًا تتحوّل، بعد سنوات، إلى السبب الذي نشكو منه. لم يتغيّر الشخص، ولم تتغيّر الصفة؛ تغيّر ما نحتاجه منه. الحبّ ليس دائمًا وفيًّا لمنبعه؛ هو أحيانًا خائنٌ لما بدأ به.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 7 / 13هناك حنانٌ لا يعرف كيف يصل. يتجمّد في منتصف الطريق بين النيّة والإيماءة، فيظهر كصرامة، أو صمت، أو سؤالٍ عمليّ: هل أكلت؟ هل نمت؟ — كأن الجسد أسهل من القلب، وكأن الحاجة أقلّ خطرًا من الحبّ.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 8 / 13الحب الذي لم يُقبل، لا يتبخر. يهبط إلى طابقٍ أعمق، يتحوّل إلى طريقة في المشي، في إغلاق الباب، في الردّ على غرباء لا علاقة لهم بالموضوع. نحمل رفضًا قديمًا ونوزّعه على الحاضر بالتساوي، دون أن ندري.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 9 / 13النكتةُ تموت في حلقك حين يُذكَر اسمُه فجأة. تعرف أنك أحببتَ أحدًا حين تعجز عن السخرية منه، أنت الذي يسخر من كلّ شيءٍ ليحتمي.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 10 / 13الصمتُ في العلاقات ليس غيابَ الكلام؛ بل نوعٌ من الكلام أشدّ فصاحة. حين يصمت من تحبّ، لا ينقطع الحديث، بل تبدأ لغةٌ ثانية أكثرُ دقّةً وأصعبُ ترجمة. ولهذا، الخلافات الأعمق ليست في ما قيل، بل في ما قاله الصمت وظننّا أننا فهمناه.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 11 / 13الثقة ليست اطمئنانًا إلى الآخر، بل قرار بتحمّل احتمال خيانته. مَن يثق لا يفعل ذلك لأنّه واثق من النتيجة، بل لأنّه اختار أن يجعل نفسه قابلًا للأذى. البنية الداخليّة للثقة أقرب إلى الشجاعة منها إلى الأمان: فعل يعرف هشاشته ويمضي رغمها. الثقة المطلقة ليست عمقًا في العلاقة — بل كسلٌ في التفكير بها.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 12 / 13الصديقُ الحقيقيّ ليس الذي يوافقنا؛ بل الذي يقدر أن يختلف معنا دون أن نخاف من خسارته. الصداقةُ التي لا تحتمل الاختلاف ليست صداقة؛ هي اتّفاقٌ هشّ يُخفي خوفه من المواجهة. أن يُقال لك «لا» من شخصٍ تحبّه دون أن ينهار كلّ شيء، هذا اختبارٌ أصعب من أيّ اتّفاق.
من مجموعة «ما يوقظه الحبّ» · 13 / 13
الرسالة
NEWSLETTERحين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.
بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.