كانت أذني اليمنى تسمع الشارع.
أسمع من الأذن الأخرى شيئًا يشبه الماء تحت الجليد — صوتٌ مكتوم لا مصدر له. كنتُ واقفًا عند الإشارة، أنتظر الأخضر، والهواء يابس من النوع الذي يجعل الشفاه تتشقّق إن فتحتَها طويلًا. يداي في جيبيّ. الأصابع لا تفعل شيئًا — تتحسّس بطانة القماش فحسب، تلك الحركة العبثية التي يقوم بها الجسد حين لا يجد ما يُمسكه.
ثم تعطّل شيء في السمع.
لا، ليس تعطّلًا. العكس. كأنّ قناةً كانت مسدودة منذ سنوات انفتحت دفعة واحدة، وأنا لم أكن أعرف أنها مسدودة. لم أسمع صوتًا جديدًا — سمعتُ الأصوات القديمة بطريقة جديدة. المحرّكات صارت لها طبقة سُفلى لم أكن أنتبه لها، أزيز رقيق تحت الهدير، كأنّ لكلّ صوت عظمًا وفوقه لحم وأنا كنتُ أسمع الجلد فقط.
لم أكن أنظر بعد. أقول هذا لأنّ ما حدث لم يبدأ بالعينين. بدأ بتغيّر في الضغط الداخلي، كأنّ الهواء في تجويف صدري صار أثقل بمقدار لا تقيسه أجهزة، مقدار لا يُحَسّ إلا حين تكون منتبهًا لنفسك انتباهًا لا تريده، انتباهًا يشبه أن تسمع نبضك في غرفة مظلمة. كان قلبي يدقّ بإيقاعه المعتاد — ثلاث أو أربع دقّات قبل أن ألاحظه، ثمّ دقّة أبطأ. ليست أبطأ كثيرًا. أبطأ كما يبطؤ القطار لحظة واحدة قبل المحطّة، لا لأنّه يُريد التوقف بل لأن شيئًا في القضبان اختلف.
التفتُّ. لا أعرف لماذا يسارًا ولا يمينًا. الاتجاه كان قرارًا اتّخذه العنق قبل أن يصل الخبر إلى الرأس.
وهي — كانت هناك. ليس أنها كانت تقف أو تمشي أو تفعل شيئًا بعينه. كانت موجودة بطريقة تختلف عن وجود الآخرين. الآخرون يشغلون مساحة. هي كانت تُعيد ترتيب المساحة حولها دون أن تتحرّك — كجسم ثقيل في ماء ساكن يُحرِّك ما حوله لمجرّد أنه هناك.
لم أرَ وجهها أوّلًا. رأيتُ الهواء. الهواء بينها وبيني بدا مختلفًا، كأنّ له كثافة، كأنّه سائل رقيق تتحرّك فيه الأشياء بتأخُّر طفيف عن الزمن الحقيقي. لحظة وأنا أنظر إلى مسافة متر ونصف كأنها مادّة يمكن لمسها. ثمّ دخلت رائحة. لا أعرف مصدرها. ليست عطرًا — أقرب إلى حرارة جلد في شمس الشتاء. وصلت إلى مكان في القفص الصدري حيث تلتقي الأضلاع، إلى تلك النقطة التي لا تملك اسمًا في التشريح لكنّك تعرف وجودها حين يحدث فيها شيء — وحدث.
حرارة. أقرب إلى ذوبان. شيء كان صلبًا هناك منذ وقت لا أعرف مداه — لا أذكر متى تصلّب ولا أذكر شكله قبل التصلّب — بدأ يفقد حدوده. كالدفء في أصابع قضت ساعة في الثلج ثمّ دخلت غرفة — ليس فرحًا وليس ألمًا، بل وخز الحياة وهي تعود إلى نسيج نسيَها.
تنفّستُ.
لكنّ الشهيق هذه المرّة أدار شيئًا في أسفل الظهر. شيء التوى — لا كالألم، بل كما تلتوي ورقة جافّة حين يلمسها بخار. فقراتي السفلى تحرّكت بمقدار لا يراه أحد، مقدار أحسستُه فقط لأنّ الجمود قبله كان طويلًا جدًّا حتى نسيتُ أنه جمود.
الظهر الذي كنت أحمله كعمود خرساني صار — لجزء من الثانية — عمودًا فقريًّا حقيقيًّا: مرنًا، حيًّا، يتمايل بمقدار إنسانيّ لم أعرفه منذ... لا أعرف منذ متى.
في حلقي شيء تحرّك أيضًا. ليس كلمة. اهتزاز في الحبال الصوتية دون صوت، كأنّ الحنجرة تتهيّأ لنطق حرف لم يُخلق بعد. الحنجرة تستعدّ، واللسان لا يعرف لماذا، والشفتان تنفرجان بمقدار شعرة كأنّ الفم يتذكّر وظيفة أقدم من الكلام: التنفّس حين يصبح التنفّس العاديّ غير كافٍ.
مرّت. لا — أنا من مررتُ.
الإشارة تغيّرت وساقاي تحرّكتا. لكنّ المسافة بيننا لم تتّسع بطريقة طبيعية. المتر صار مترين صار ثلاثة وكل متر كان يُسحب من بين أضلاعي، خيطًا رفيعًا شفّافًا لم أكن أعرف أنّه مربوط هناك. لا ألم في السحب. ألمٌ فقط في الاكتشاف: كان هناك شيء مربوط، إذن. كان هناك شيء ينتظر أن يُشدّ.
الشارع من حولي لم يتغيّر. نفس الإسفلت، نفس اللافتات، نفس الوجوه التي لا أعرفها ولا تعرفني. لكنّ سمعي لم يعد إلى ما كان عليه. تلك القناة التي انفتحت لم تنغلق. ما زلتُ أسمع الطبقة السفلى للأصوات، العظم تحت اللحم. وفي صدري تلك النقطة — حيث تلتقي الأضلاع — ما زالت ساخنة. كما يبقى مكان النار دافئًا بعد أن تنطفئ، لا لأنّ النار باقية بل لأنّ الحجر تغيّر ولن يعود باردًا بالطريقة نفسها.
ويداي — لاحظتُ ذلك بعد عشر خطوات أو أكثر — يداي لم تعودا في جيبيّ. كانتا مفتوحتين على جانبيّ، كفّاي نحو الأسفل، أصابعي تتحسّس الهواء كأنه شيء يمكن قراءته. ولم أكن أنا من أخرجهما.
