تجاوز إلى المحتوى
~/articlesثم يمشي
READ 0%5 MIN LEFTWORDS 809
FILE 050 / 118 · ثم-يمشي.md

§ مقالات

ثم يمشي

نصّ لن يغيّر شيئًا

ثم-يمشي.mdFILE 050 / 118
النوعمقالات
التاريخ
القراءة5 دقائق · 809 كلمة
الإصدارحُرّر 2026-09-15
○ لم يُحفظ · 0%
لوحة زيتية لرجل يجلس إلى طاولة خشبية أمامه كوب، ينظر جانبًا قرب نافذة، وخلفه أطياف شفافة لعائلة واقفة في الضوء.
FIG. 01 · 1024×1024 · PNG

التأجيلُ ليس صبرًا. لكنّه أيضًا ليس خطأ. التأجيل ما يفعله الوعي حين يحاول أن يمسك نفسه فلا يجد ما يمسكه.

تمنح جسدك اليوم وعدًا: غدًا ستجلس. غدًا ستتنفّس ببطء. غدًا سيكون لك الحقّ في فنجان قهوة لا تشربه وأنت تنظر إلى الساعة. لكنّ «غدًا» ليست المشكلة.

المشكلة في «ستجلس» — كأنّ الجلوس وعاء يمكن ملؤه، كأنّ هناك لحظة يمكن أن تتوقّف فيها وتقول: أنا هنا، الآن، بالكامل.

لا أحد فعل ذلك. ليس لأنّ الجميع مؤجّلون — بل لأنّ «الآن» لا يُمسَك. كل محاولة لامتلاكه هي تأطير، وكل تأطير يحوّله إلى ذاكرة. تلتفت إلى اللحظة فتجدها قد صارت «لحظة التفتّ فيها إلى اللحظة.»

الذات المستقبلية فراغ مصبوب في شكل وعد — هذا صحيح. لكنّ الذات الحاضرة ليست أكثر صلابة. هي أيضًا فراغ، لكنّه مصبوب في شكل ادّعاء. ادّعاء الحضور.

من يقول «أنا أعيش اللحظة» لا يختلف في البنية عمّن يقول «سأعيش غدًا» — لا شيء.

لا شيء ينتظر. لا لحظة ممتلئة. لا أرض صلبة. فقط وعي يتحرّك.


ثمّة رائحة معيّنة للقهوة التي تُشرب على عجل. ليست رائحة القهوة نفسها، بل رائحة عدم الانتباه لها. الرجل الذي يشرب قهوته وعيناه على الساعة لا يشرب قهوة — يشرب وقتًا. في زمن آخر. الكرسيّ الذي يجلس عليه ليس كرسيًّا بل محطة. والغرفة ليست غرفة بل ممرّ.

لكن ذاك الآخر — الذي يُقال عنه إنه «حاضر»، الذي يشرب قهوته ببطء وينظر من النافذة — ماذا يفعل حقًّا؟ يراقب نفسه وهو يشرب. يعي أنّه يعي. يصنع مشهدًا من لحظته ثم يسكنه كممثّل. القهوة البطيئة ليست حضورًا — هي شكل آخر من أشكال التأطير. فقط أبطأ. فقط أجمل. والفرق بين من يشرب وقتًا ومن يشرب «حضورًا» ليس فرقًا في العمق — بل في السرعة.

العين تنظر دون أن ترى. نعم. لكنّ العين التي «ترى» تعرف أنها ترى — وبهذه المعرفة تخرج من الرؤية. الحواس لا تضمر من فرط التأجيل فقط. الحواس تضمر من فرط محاولة استخدامها كدليل على الحياة.


الأب يقول: «أعمل حتى لا يعمل أبنائي كما عملت.»

جملة تحمل اعترافًا مدفونًا: أنّ حياته هو لا تستحق أن تُعاش كما هي. أنّه يقبل أن يكون الثمن.

والابن الذي يكبر ويرى أباه ثمنًا — يتعلّم أنّ الحبّ شكل من أشكال الاحتراق البطيء. فيكبر ويتلف هو بدوره من أجل أبنائه، لا لأنّه يريد، بل لأنّه لا يعرف شكلًا آخر للأبوّة.

السلسلة لا تتكرّر بالمنطق. تتكرّر بالجسد. بطريقة الجلوس المنهكة. بالعشاء الذي يُؤكل واقفًا. بالنوم الذي يشبه الإغماء أكثر مما يشبه الراحة.

الأجيال لا تتوارث الفكرة — تتوارث الإيقاع.

لكنّ المسألة ليست أن الأب أخطأ. لو جلس الأب — لو قرّر أن يعيش «الآن» — ماذا كان سيجد؟ لحظة حاضرة يمتلكها؟ أم فراغًا آخر يحتاج إلى ملء؟ الأب لا يهرب من الحاضر إلى المستقبل. الأب يهرب من الفراغ إلى الفراغ. فقط الفراغ الثاني يحمل اسمًا: «أبنائي». والاسم يكفي. الاسم يجعل الحركة تشبه المعنى حتى لو لم تكن كذلك. والابن الذي سيرث الإيقاع لن يرثه لأنّ أباه علّمه التأجيل — بل لأنّه سيكتشف نفس الشيء: أنّ التوقف لا يكشف عن حياة مخبّأة تحت الحركة. التوقّف يكشف أنّه لم يكن هناك شيء تحت الحركة إلا الحاجة إلى الحركة.

والمجتمعات تفعل ذاته. خطط خمسية. رؤى عشرينية. العامل الذي يبني الطريق السريع لا يملك سيارة. المعلّمة التي تعدّ جيلًا للمستقبل تعيش في شقّة لا يتّسع فيها المستقبل لسريرٍ إضافي.

لكنّ المشكلة لم تكن يومًا أنّ هؤلاء حُرموا. المشكلة أنّ من وصل — من قاد السيارة على الطريق، من نام في السرير الإضافي — لم يجد ما وُعد به. ليس لأنّ الوعد كُسر، بل لأنّ الوعد كان يستمدّ قيمته من المسافة بينه وبين الحاضر. أُلغيت المسافة، فانهار الوعد.

المعنى يحتاج إلى فجوة ليوجد. أغلق الفجوة، يختفي.

التضحية حين تصبح ثقافة لا تحتاج إلى إقناع. تحتاج فقط إلى صمت كافٍ حولها. لكنّ «الحضور» حين يصبح ثقافة مضادّة لا يختلف كثيرًا — يحتاج إلى ضجيج كافٍ حوله. إنستغرام مليء بمن يعيشون «اللحظة» ويلتقطون صورًا لها. والصورة دليل: أنّ اللحظة لم تُعَش — بل وُثِّقت. والتوثيق تأجيل من نوع آخر: أن تحفظ ما لم تملكه لتراجعه لاحقًا.

الرجل الذي يقف في البرد فجرًا ليفتح محلّه — ربما لا يؤجّل حياته. ربما هذا الوقوف هو حياته. يداه لا تعرفان هويّتهما إلا وهما تعملان.

جسده لا يتعرّف على نفسه إلا في الجهد. اليد التي تطرق المسمار لا تنتظر البيت كي تكون حيّة، بل هي حيّة في الطرقة، في الارتجاج الذي يصعد من المعصم إلى الكتف.

لكنّ السؤال الذي لا يُطرح: هل هي حيّة — أم أنّ الحياة والعادة صارتا شيئًا واحدًا لدرجة أنّ التمييز بينهما لم يعد ممكنًا؟

وهل يهمّ التمييز أصلًا — إن كانت النتيجة واحدة، إن كان الجسد يستيقظ في الحالتين، ويقف في البرد في الحالتين، ويفتح المحلّ في الحالتين؟

ربما «الحياة» ليست حالة يمكن الوصول إليها. وحالما نسأل — ننزلق خارجها. كانت مجرّد انشغال كافٍ لتأجيل سؤال آخر.

النسخة التي تنتظرها من نفسك — قد تكون وصلت. قد تكون هذا الجسد الذي يقف الآن في المطبخ، ينظر إلى فنجان قهوة بَرَدَ نصفه.

لا يفكّر إن كان يؤجّل. ولا يحاول أن يعيش اللحظة. يمسك الفنجان. يشرب. تنساب القهوة إلى الداخل. لا شيء يتغيّر. ولا شيء يحتاج أن يتغيّر. يضع الفنجان في المغسلة. يبقى واقفًا لحظة.

ثم يمشي.

انتهى النصّ · نُشر 2026-03-04 · آخر تحرير 2026-09-15
سلطانكاتب ومطوّر

وحين ينضج نصٌّ آخر على مهل، أرسله في الرسالة، وإن أثار فيك هذا النصّ شيئًا فاكتب لي.

الرسالة

NEWSLETTER

حين ينضج شيءٌ على مهل، يصلك.

بريدك لهذه الرسالة وحدها، وفي أسفل كل عدد رابط إلغاء الاشتراك.