1
في الساحة، كانت الشمس تَنزل على الحجر ناعمةً، كأنها مَرَّت قبل وصولها بمصفاة.
الكراسي مرتَّبة في نصف دائرة.
فناجين السيراميك البيضاء توضع بهدوء على الطاولات الصغيرة، الواحد تلو الآخر، بفاصل زمني واحد بين كل فنجان والذي يليه.
الرئيس وقف في المنتصف.
وجهه طويل، ساكن، لا يحمل تعبيرًا يمكن تسميته.
تكلَّم عن تعديل بسيط في جدول الصيانة الأسبوعية.
صوته بطيء، موزون، يَبني الجملة كما يَبني الحجَّار جدارًا: حجر، فراغ، حجر.
في اللحظة التي قال فيها «لراحتكم»، ابتسم ثلاثة وعشرون شخصًا في وقت واحد.
عَدَّ خالد الفناجين على طاولته.
ثلاثة.
كان جالسًا وحده.
عَدَّ الفناجين مرَّتين، ثم نظر إلى الفنجانين الزائدَين دون أن يلمسهما.
في الصف الأخير، كان صبيٌّ يَجلس بجانب امرأة تُشبهه في الفكّ وفي طريقة إمساك الفنجان.
حين ابتسم الثلاثة والعشرون، ابتسم هو أيضًا. لكنَّ ابتسامته وَصلت إلى شفتيه بعد أن وَصلت إلى شفاههم — بفارقٍ لا يُقاس إلا إذا كنتَ تَبحث عنه.
المساعدة مَرَّت بقربه.
وضعت كفَّها على كتفه — لمسةً قصيرة، مؤقَّتة، كأنها تَختم استمارة.
ابتسمت بنفس الابتسامة التي رآها على الوجوه الأخرى.
— «اشرب وهي دافئة.»
ابتسم كما يُتوقَّع منه.
رفع الفنجان الأول.
البخار صَعِد إلى عينيه فأغمضهما لحظة.
لم يَشرب.
2
في طريقه إلى مكتبه بعد الظهر، مَرَّ بالبوابة الجانبية رقم 4.
كانت مغلقةً منذ شهور.
لا لوحة عليها، لا قفل ظاهر، فقط لوح معدني أملس بلون الجدار.
الجار الذي يَسكن في الوحدة المقابلة كان يَسقي نبتةً أمام بابه.
سأله خالد، بلهجة عابرة:
— «متى يَفتحون البوابة الرابعة؟»
الجار رفع رأسه.
ابتسم.
قال:
— “نحن لا نُغلق البوابات.
نحن نُعيد توزيع الحركة لراحة الجميع.”
كانت الجملة بنفس إيقاع الرئيس.
نفس الفاصلة في نفس المكان.
نفس الكلمة الأخيرة.
حتى الابتسامة بعدها كانت لها المدَّة ذاتها.
خالد هَزَّ رأسه شاكرًا ومضى.
مشى عشرين خطوة ثم توقَّف.
لم يكن يَعرف لماذا توقَّف.
نَظر إلى يده.
القلم الذي كان يَحمله في جيب صدره قد انزلق قليلًا.
أعاده إلى مكانه.
واصل المشي.
في المكتب، فَتح ملف الأرشيف الذي يَعمل عليه.
الأرقام تَترتَّب في أعمدة.
كان يُجيد قراءة الأنماط في الأرقام؛ هذا ما يَفعله طوال اليوم.
لاحظ، دون أن يَقصد، أن إيقاع نَفَسه قد تَغيَّر منذ المحادثة عند البوابة.
أَطول قليلًا عند الزفير.
أَسرع قليلًا عند الشهيق.
سَجَّل الملاحظة في ذهنه كما يُسجِّل أي خَلَل في جدول.
3
بدأ يُلاحظ.
في اجتماع الإثنين، قالت المساعدة لامرأة في الصف الأمامي: «أرى التعب في كتفيك.» لم تكن المرأة قد تكلَّمت بعد.
المرأة بَكت ببطء، بامتنان، وأَسندت رأسها على كتف المساعدة.
في الممر المؤدي إلى المخزن، التقى بثلاثة جيران يتحدَّثون.
حين اقترب، توقَّفت المحادثة بنظافة، كما تَتوقَّف الموسيقى عند انقطاع الكهرباء — لا تَتلاشى، تَنقطع.
ابتسموا له.
واصلوا في موضوع آخر بنفس الهدوء.
في المساء، حين كان يَكتب ملاحظاته اليومية في دفتر صغير يَحتفظ به منذ سنوات، وَجد أن قَلَمه يَتوقَّف عند كلمات معيَّنة.
كَتب: «اليوم لاحظتُ —» ثم توقَّف القلم.
كان يَعرف ما يُريد أن يُكمل به الجملة، لكن اليد لم تَتحرَّك.
أَغلق الدفتر.
وَضعه تحت الوسادة، ثم سَحبه من تحتها وَوضعه في الدُّرج.
ثم أَغلق الدُّرج بمفتاح صغير.
ثم نظر إلى الدُّرج طويلًا.
في الليل، استيقظ مرَّتين.
لم يَكن يَحلم بشيء يَتذكَّره.
في كلتا المرَّتين، كانت يده اليمنى مَطويَّةً تحت رأسه بطريقة لم يَنَم بها من قبل.
4
بدأ يَمشي قرب السور بعد العاشرة ليلًا.
السور أبيض، يَرتفع إلى مترين ونصف، أملس بلا زخارف.
الإضاءة في المحيط أقل مما في المركز.
المصابيح متباعدة، صفراء، ضعيفة.
الهواء هنا يَختلف.
لم يَكن يَعرف كيف يَصفه في البداية، ثم وَجد الكلمة: غير مُعطَّر.
هواء المركز كان دائمًا يَحمل رائحةً خفيفة من شيء كاللافندر.
هنا، لا شيء.
في الليلة الرابعة، توقَّف عند نقطة بعينها وأغمض عينيه.
سَمع: حركة سيارة بعيدة.
نباح كلب.
صوت معدني خافت يَتكرَّر — كأنه باب مَخزن يَفتحه أحدهم في حيٍّ مجاور.
أصوات عاديَّة لدرجة أنها بَدَت غريبة.
فَتح عينيه.
السماء كانت أَصْفَى مما تَبدو عليه فوق الساحة.
النجوم أكثر، أَحَدّ.
أدرك أنه لم يَنظر إلى السماء منذ شهور.
لم يكن أحد يَمنعه.
لم يَفكِّر فيها فقط.
في طريق العودة إلى وحدته، مَرَّ بالساحة المركزية. كانت لا تزال مضاءةً بضوءها الناعم.
ثلاثة من الجيران يَجلسون يَشربون شايًا.
ابتسموا له.
ابتسم.
لكن شيئًا في الطريقة التي اصْطَفَّت بها ملاعقهم على الصحون — جميعها بنفس الزاوية، بنفس البُعد عن حافة الصحن — جَعله يَمشي أَسرع قليلًا.
في الطابق الثاني، نافذةٌ كانت مُضاءة ثمَّ أُطفئت.
لم يَرفع خالد رأسه.
لم يَكن يَعرف أنَّ أحدًا يَنظر.
5
في اليوم التالي، طُرق بابه قبل أن يَستيقظ تمامًا.
المساعدة كانت واقفةً في الممر.
تَحمل كوبًا من شيء ساخن.
وراءها، الصباح كان ضبابيًا، أو هكذا بَدا.
— “مَرَّتْ بي ليلةٌ ثقيلة.
خَطر في بالي أنك ربما لم تَنَم جيدًا أيضًا.”
دَخلت دون أن يَدعوها.
وَضعت الكوب على طاولته.
جَلست على حافة الكرسي القريب من النافذة.
وجهها — في ضوء الصباح — كان يُشبه وجه الرئيس، لكن بحوافَّ أَنعم.
كأن أحدًا أَخذ النموذج نفسه وأَدار عليه إصبعه ليُلطِّف الزوايا.
— «أَعرف أنك تَمشي قرب السور.»
لم يكن سؤالًا.
كانت تَنظر إلى الكوب على الطاولة، لا إليه.
— “هذا طبيعي.
كثيرون يَمرُّون بهذه المرحلة.
الجسد يَحتاج أحيانًا إلى أن يَختبر الحدود ليَطمئن إلى وجودها.
لا تَقلق.”
سَكتَت.
ثم نَظرت إليه.
ابتسامتها كانت قد سَبقت كلماتها بثانية.
— “حضَّرتُ لك جدولًا جديدًا للنوم.
سأتركه عند الباب.”
نَهضت.
لَمست كتفه وهي تَمُرّ.
الكوب على الطاولة كان لا يَزال يُصدر بخارًا.
بقي على حاله إلى أن بَرد.
لم يَقرَبه.
بعد أن أَغلق الباب خلفها، جَلس على الأرض.
لم يَكن يَعرف لماذا الأرض تحديدًا.
وَضع كفَّه على البلاط.
كان البلاط باردًا.
كان باردًا مثل الهواء عند السور.
6
ممرّ الصيانة كان خلف مَخزن المياه.
اكتشفه بالصُّدفة قبل أسابيع، حين أرسلوه لجلب عبوات بدل التالفة.
باب رمادي في آخر الممر، مفتاحه معلَّق على لوحة في غرفة الصيانة بين مفاتيح لا يَستخدمها أحد.
لم يُفكِّر فيه حينها.
لم يُفكِّر فيه بعدها.
لكنَّ المفتاح ظلَّ معلَّقًا في مكانه كما تَظلُّ كلمة على طرف اللسان.
في الليلة التاسعة من مَشيه قرب السور، لم يَمشِ قرب السور.
ذَهب إلى غرفة الصيانة.
الضوء فيها أبيض، مُسطَّح، من نوع الإضاءة التي لا تُلقي ظلالًا.
المفاتيح مرتَّبة على اللوحة بحسب الأرقام.
المفتاح الأخير لم يَكن عليه رقم.
أَخذه.
لم يَكن ثقيلًا ولا خفيفًا.
كان مفتاحًا.
المخزن كان باردًا.
رائحة الكلور والبلاستيك.
عبوات المياه مصفوفة على الأرض في صفوف متساوية كصفوف الكراسي في الساحة.
في الزاوية البعيدة: الباب الرمادي.
أَدخل المفتاح.
أَداره.
القُفل فُتح بصوت صغير، جاف، كصوت عَظم يُطقطق.
وراء الباب: ممرّ ضيِّق، طويل بقدر عشر خطوات.
في نهايته: باب آخر.
هذا الباب لم يَكن مُقفلًا.
دَفعه بكفِّه.
انفتح.
دَخل الهواء.
ليس نسيمًا.
ليس ريحًا.
هواءٌ فقط — لكنَّه كان بلا طعم اللافندر.
بلا رائحة السيراميك والقماش النظيف.
كان هواءً يَحمل أسفلتًا بعيدًا، وعادم سيّارة، وشيئًا رطبًا كتراب بعد مطر.
دَخل من الباب المفتوح إلى وجهه كاملًا، إلى رقبته، إلى داخل قميصه.
وَقف عند العتبة.
قَدمه اليمنى على الحافة.
الشارع أمامه.
لا سياج بعد هذا الباب.
لا حجر أبيض.
إسفلت رمادي غامق فيه شقوق صغيرة.
عمود إنارة بعيد يَرمي ضوءًا برتقاليًا على رصيف فارغ.
خطوة واحدة.
ثم سَمع — ليس بأُذنيه، بل في مكان ما خلف صدره — صوت المساعدة: «الجسد يَحتاج أحيانًا إلى أن يَختبر الحدود ليَطمئنَّ إلى وجودها.»
وصوت الرئيس: «لراحتكم.»
وصوتًا ثالثًا لم يَعرف مصدره، ربَّما صوته هو، يقول: ماذا لو كانوا على حقّ؟
سَحب قدمه.
أَغلق الباب.
أَعاد القفل.
أَعاد المفتاح إلى اللوحة.
مَشى إلى وحدته بخطوات أَسرع مما جاء بها.
دَخل.
أَغلق الباب.
جَلس على السرير.
يداه ترتجفان — ليس من البرد.
من شيء ليس له اسم بعد.
نام تلك الليلة والنافذة مُغلقة.
في الصباح، ذَهب إلى الساحة.
جَلس في مكانه.
شَرب الفنجان الأول حين وُضع أمامه.
ابتسم حين ابتسم الآخرون.
الابتسامة هذه المرَّة جاءت في وقتها.
لكنَّ شيئًا في فكِّه ظلَّ مشدودًا طوال اليوم. وحين مَرَّت المساعدة وَلمست كتفه، لم يَرتخِ.
7
مَرَّت أربعة أيَّام.
لم يَذهب إلى السور.
لم يَذهب إلى المخزن.
حَضر الاجتماعات.
أَكل في المواعيد.
نام وِفق الجدول الجديد الذي وَضعته المساعدة عند بابه.
في اليوم الثاني، ضَحك مع الجيران في الساحة.
في اليوم الثالث، شَكر الرئيس على تعديل جدول الإفطار.
في اليوم الرابع، وَجد نفسه يقول لجاره: «نحن محظوظون هنا.» الجملة خَرجت كاملة، بإيقاعٍ مألوف.
لم يَتعثَّر فيها.
لكنَّه حين عاد إلى وحدته في تلك الليلة، فَتح الدُّرج.
أَخرج الدفتر.
فَتحه على الصفحة التي كَتب فيها «اليوم لاحظتُ —»
الفراغ بعد الشرطة كان لا يزال فارغًا.
نَظر إليه.
الفراغ لم يَتقلَّص.
لم يَمتلئ.
كان بالحجم نفسه.
أَغلق الدفتر.
لم يُعده إلى الدُّرج هذه المرَّة.
وَضعه على الطاولة، مفتوحًا، عند الصفحة نفسها.
ذَهب إلى غرفة الصيانة.
المفتاح كان في مكانه.
8
فَتح الباب الأول.
الممرّ.
الباب الثاني.
الهواء دَخل كما دَخل في المرَّة الأولى — بلا لافندر، بلا نعومة، بلا إيقاع.
وَصَل إلى وجهه فوَصَل إلى شيء خلف وجهه.
عند العتبة، توقَّف.
ثانية.
ثانيتان.
ثم مَشى.
قَدمه نَزلت على الإسفلت كما تَنزل على أيّ أرض.
أوَّل ما لاحظه كان البرودة المختلفة.
بلاط المركز بارد ومَصقول.
الإسفلت بارد وخَشِن.
البرودة نفسها، لكنَّ الملمس يَقول شيئًا آخر.
مَشى.
الأرصفة فيها بقع زيت.
لافتة بقالة على الزاوية مُضاءة بنيون أصفر، حرف منها مكسور.
رجل يَمشي على الرصيف المقابل يَحمل كيس خبز.
لم يَلتفت إليه.
لم يَحدث شيء.
لا كارثة.
لا انهيار.
لا ذئاب.
فقط شارع، وإسفلت، ورجل لا يَعرفه يَمشي بكيس خبز إلى بيته.
التَفت مرَّةً نحو الجدار.
من هنا، من الخارج، بَدا أقصر.
الشقوق ظاهرة في الإسمنت.
الطلاء الأبيض مُتقشِّر عند الأطراف.
لا يُشبه السور الذي يَراه من الداخل — أملسًا، مرتفعًا.
من هنا، كان مجرَّد جدار.
وَقف لحظة يَنظر إلى لافتة البقالة المكسورة.
الحرف الناقص كان «ب».
قرأ الاسم بدونه.
كان لا يزال مفهومًا.
ثم بدأ يَمشي.
9
قبل ساعةٍ من اجتماع الصباح، كان يوسف عند نافذة غرفته في الطابق الثاني.
النافذة ضيِّقة، تُطلّ على زاويةٍ بعيدةٍ من السور، حيث لوحان معدنيَّان لا يَلتقيان تمامًا.
الفُرجة بينهما رفيعة، بعرض أُصبع ربَّما، وتَكشف شريطًا من الشارع الخلفي.
كان يَنظر من النافذة كثيرًا.
لم يَكن يَعرف لماذا.
أُمُّه تقول إنَّه يَتأمَّل.
هو لم يُسَمِّ ما يَفعله.
في تلك اللحظة، الشمس لم تَكن قد طَلعت بعد.
الضوء رماديٌّ، مُسطَّح.
الشارع وراء الفُرجة كان فارغًا.
ثمَّ لم يَكن.
رجلٌ مَرَّ.
لم يَكن يَعرفه من بُعد كهذا، لكنَّ الكتفَين كانا مألوفَين.
الكتفان نفسهما اللذان يَجلسان أمامه في الصف الثالث في كلِّ صباح.
الرجل كان يَمشي.
ليس بسرعة.
ليس ببطء.
خطوة، خطوة.
في يده اليُسرى لا شيء.
في يده اليُمنى لا شيء.
لم يَلتفت نحو السور.
لم يَرفع رأسه نحو النوافذ.
كان يَنظر إلى أمامه فقط، إلى مكانٍ ما في نهاية الشارع، كأنَّه يَعرف الطريق.
ثمَّ خَرج من إطار الفُرجة.
يوسف انتظر.
ربَّما يَعود.
لم يَعد.
الشارع رَجع فارغًا.
الضوء صار أقلَّ رماديَّةً بقليل.
نَزل لتناول الإفطار.
أُمُّه كانت تَضع الخبز على الطاولة.
سَألته إن كان قد نام جيِّدًا.
قال نعم.
أَكل نصف رغيف.
لم يَستطع البقيَّة.
في الساحة، الرئيس وَقف في مكانه المعتاد.
صوته كان أَبطأ مما اعتاد.
قال إنَّ أحد الإخوة قد «ضَلَّ طريقه».
قال إنَّ الخارج قاسٍ على من لم يَتدرَّب على احتماله.
قال إنَّ المجمَّع سيَترك بابًا مفتوحًا في قلوبهم له.
سَكتَ.
السكوت كان جزءًا من الجملة.
الجيران هَزُّوا رؤوسهم.
امرأةٌ في الصف الأمامي مَسحت عينها بطرف منديل.
ابتسمت المساعدة ابتسامةً صغيرة حزينة، ووَزَّعت الأكواب الدافئة.
يوسف كان في الصف الأخير، بجانب أمِّه.
الكوب أمامه يُصدر بخارًا.
البخار يَصعد بخطٍّ مستقيم، ثمَّ يَنحني عند ارتفاع معيَّن، ثمَّ يَختفي.
كَلمات الرئيس كانت تَصل إلى أُذنه واضحةً.
«ضَلَّ.»
الرجل كان يَمشي إلى مكانٍ ما.
الذي يَضِلُّ لا يَمشي هكذا.
«قاسٍ.»
الإسفلت في الشارع الخلفي كان رماديًَّا عاديًَّا.
الضوء كان عاديًَّا.
الرجل كان يَمشي.
«نأمل أن يَعود إلينا يومًا.»
يوسف نَظر إلى أمِّه.
كانت تَهُزُّ رأسها مع الآخرين.
عيناها رطبتان قليلًا.
يدها على فخذها مَطويَّةٌ بهدوء.
نَظر إلى المساعدة.
كانت تَتنقَّل بين الطاولات.
وضعت كفَّها على كتف امرأةٍ في الصف الثاني.
الابتسامة وَصلت إلى الجميع في وقتٍ واحد، كما تَصل دائمًا.
نَظر إلى الكوب أمامه.
رفعه إلى شفتيه.
لم يَشرب.
أَنزله.
وَضعه على الطاولة.
الفنجان لامس السطح بصوتٍ خفيف، أَخفض من الصوت الذي تُصدره فناجين الآخرين.
أَحدٌ لم يَلتفت.
في تلك الليلة، يوسف لم يَنَم في وقته.
اضطجع على ظهره.
ثمَّ على جنبه.
ثمَّ على ظهره مرَّةً أخرى.
السقف فوقه أبيض.
في الصباح كان أبيض.
في الليل، تحت ضوء الشارع المتسلِّل من النافذة، كان أبيض بدرجةٍ أُخرى.
نَهض.
ذَهب إلى النافذة.
الشارع وراء الفُرجة فارغ.
لكنَّه نَظر طويلًا، كأنَّ شيئًا قد يَعبر.
عاد إلى السرير.
أَغمض عينيه.
كَلمات الرئيس عادت: «ضَلَّ طريقه.»
كَلمات أمِّه على الإفطار: «هل نِمتَ جيِّدًا؟»
كَلمات المساعدة منذ شهر، حين مَرَّت به في الممرّ ولَمست شَعره: “أنت ولدٌ هادئ.
هذا جميل.”
الكَلمات كانت كلُّها في مكانها.
كلُّ واحدةٍ تَجلس حيث وُضعت.
لكنَّ شيئًا بينها لم يَعد ينطبق على شيء.
فَتح عينيه.
السقف لا يزال أبيض.
في الغرفة المجاورة، أُمُّه تَتنفَّس بإيقاع النائمين.
في الطابق الأرضي، الساحة فارغة، المصابيح ناعمة كما هي دائمًا.
في مكانٍ ما خلف السور، رجلٌ يَمشي إلى مكان.
يوسف رَفع يده أمام وجهه في العتمة.
كانت ساكنةً.
ظلَّ يَنظر إليها.
